_________________
(١) بما يَنْفَسِخُ به البَيعُ، صَحَّ تَصَرُّفُه؛ لِما ذَكَرْنا.
(٢) مسألة: (ويَكُونُ تَصَرُّفُ البائِع فَسْخًا للبَيعِ، وتَصَرُّفُ المُشْتَرِي إسْقَاطًا لخِيَارِه، في أحَدِ الوَجْهَين. وفي الآخرِ،
[ ١١ / ٣١٦ ]
وَفِي الْآخَرِ، الْبَيعُ وَالْخِيَارُ بِحَالِهِمَا. وَإنِ اسْتَخْدَمَ الْمَبِيعَ، لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَينِ. وَكَذَلِكَ إِنْ قَبَّلَتْهُ الْجَارِيَة. وَيَحْتَمِلُ أنْ يَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَمْنَعْهَا.
_________________
(١) البَيعُ والخِيَارُ بحالِهما. وإنِ اسْتَخْدَمَ المَبِيعَ، لم يَبْطُلْ خِيَارُه، في أصَحِّ الوَجْهَين. وكذلك إنْ قَبَّلَتْه الجَارِيَةُ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَبْطُلَ إذا لم يَمْنَعْها) إذا تَصَرَّفَ البائِعُ في المَبِيعِ بما يَفْتَقِرُ إلى المِلْكِ، كان فَسْخًا للبَيعِ. وهذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، والشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ تَصَرُّفَه يَدُلُّ على رَغْبَتِه في المَبِيعِ، فكان فَسْخًا للبَيعِ، كصَرِيحِ القَوْلِ، لأنَّ الصَّرِيحَ إنَّما كانَ فَسْخًا للبَيعِ، لدَلَالتِه على الرِّضَا به، فما دَلَّ على الرِّضَا به يقومُ مَقامَه، ككِنَايَاتِ الطَّلَاقِ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لا يَنْفَسِخُ البَيعُ بذلك، لأنَّ المِلْكَ انْتَقَلَ عنه، فلم يَكُنْ تَصَرُّفُه فيه اسْتِرْجَاعًا له، كَمَن وَجَدَ مَتَاعَه
[ ١١ / ٣١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عندَ مُفْلِسٍ فتَصَرَّفَ فيه. وإنْ تَصَرَّفَ المُشْتَرِي في المَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ بما ذَكَرْنا ونحوه، ممّا يَخْتَصُّ المِلْكَ؛ كإعْتَاقِ العَبْدِ، وكِتَابَتِه، ووَطْءِ الجَارِيَةِ، ومُباشَرَتِها، ولَمْسِها بشَهْوَةٍ، ووَقْفِ المَبِيعِ، ورُكُوبِ الدّابَّةِ لحاجَتِه، أو سُكْنَى الدّارِ، ورَمِّهَا، وحَصَادِ الزَّرْعِ، فما وُجِدَ مِن هذا فهو رِضًا بالمَبِيعِ، ويَبْطُلُ به خِيَارُه؛ لأنَّ الخِيَارَ يَبْطُلُ بالتَّصْرِيح بالرِّضَا، وبِدَلَالتِه، ولذلك يَبْطُلُ خِيارُ المُعْتَقَةِ بتَمْكِينِها مِن نَفْسِها، وقال لها رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنْ وَطِئَكِ فَلَا خِيارَ لَكِ» (١). وهذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ. فأمّا ما يَسْتَعلِمُ به المَبِيعَ، كرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِيَخْتَبِرَ فَراهَتَها (٢)، والطَّحْنِ على الرَّحَى لِيَعْلَمَ قَدْرَه، ونحو ذلك، فلا يَدُلُّ على الرِّضَا، ولا يَبْطُلُ به الخِيارُ؛ لأنَّه المَقْصُودُ بالخِيارِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ تَصَرُّفَ المُشْتَرِي لا يُبْطِلُ خِيارَه، ولا يَبْطُلُ إلَّا بالتَّصْرِيحِ، كما لو رَكِبَ الدَّابَّةَ لِيَخْتَبِرَها. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّ هذا يَتَضَمَّنُ إجَازَةَ البَيعِ،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد، في: المسند ٤/ ٦٥، ٥/ ٣٧٨.
(٢) الفراهة: المهارة والسرعة.
[ ١١ / ٣١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَدُلُّ على الرِّضَا به، فَيَبْطُلُ به الخِيَارُ، كصَرِيحِ القَوْلِ. ولأنَّ صَرِيحَ القَوْلِ إنَّما يَبْطُلُ به الخِيَارُ؛ لدَلَالتِه على الرِّضَا، فما دَلَّ على الرِّضَا بالمَبِيعِ يَقُومُ مَقامَ القَوْلِ، ككِنَاياتِ الطَّلاقِ. وإنْ عَرَضَه على البَيعِ، أو باعَهُ بَيعًا قاسِدًا، أو عَرَضَه على الرَّهْن، أو وَهَبَه فلم يَقْبَلِ المَوْهُوبُ له، بَطَلَ خِيَارُه، على الوَجْهِ الأَوَّلِ؛ لأنَّ ذلك يَدُلُّ على الرِّضَا به. قال أحمدُ: إذا اشْتَرَطَ الخِيارَ، فباعَهُ قبلَ ذلك برِبْحٍ، فالرِّبْحُ المُبْتَاعِ؛ لأَنَّه وَجَبَ عليه حينَ عَرَضَه.
فصل: وإنِ اسْتَخْدَمَ المُشْتَرِي المَبِيعَ، ففيه رِوَايَتَانِ؛ إحداهُما، لا يَبْطُلُ خِيَارُه. قال أبو الصَّقْرِ (١): قلتُ لأحمدَ: رَجُل اشْتَرَى جارِيَةً،
_________________
(١) يحيى بن يزداد الوراق، وراق الإمام، عنده جزء مسائل حسان. طبقات الحنابلة ١/ ٤٠٩.
[ ١١ / ٣١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وله الخِيارُ فيها يَوْمَين، فانْطَلَقَ بها، فَغَسَلَتْ رَأْسَه، أو غَمَزَتْ رِجْلَه، أو طَبَخَتْ له أو خَبَزَتْ، هل يَسْتَوْجِبُها بذلك؟ قال: لا، حتى يَبْلُغَ منها ما لَا يَحِلُّ لغَيرِه. قلتُ: فإن مَشَطَها، أو خَضَبَها، أو حَفَّها، هل اسْتَوْجَبَها بذلك؟ قال: قد بَطَلَ خِيَارُه؛ لأَنَّه وَضَعَ يَدَه عليها. وذلك لأنَّ الاسْتِخْدامَ لا يَخْتَصُّ المِلْكَ، ويُرَادُ لتَجْرِبَةِ المَبِيعِ، فأَشْبَه رُكُوبَ الدَّابَّةِ لِيَعْلَمَ سَيرَها. ونَقَلَ حَرْبٌ، عن أحمدَ، أنَّه يَبْطُلُ خِيارُه؛ لأنَّه انْتِفَاعٌ بالمَبِيعِ، أشْبَهَ لَمْسَها لشَهْوَةٍ. ويمكِنُ أنْ يقال: ما قُصِدَ به مِن الاسْتِخْدَامِ تَجْرِبَةُ المَبِيعِ، لا يُبْطِلُ الخِيَارَ، كرُكُوبِ الدّابَّةِ لِيَعْلَمَ سَيرَها، وما لا يُقْصَدُ به ذلك، يُبْطِلُ الخِيارَ، كرُكُوبِ الدَّابَّةِ لحاجَتِه. وإنْ قَبَّلَتِ الجَارِيَةُ المُشْتَرِيَ، لم يَبْطُلْ خِيارُه. وهذا مَذْهَبُ
[ ١١ / ٣٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الشَّافِعِيِّ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَبْطُلَ. ذكَرَه أبو الخَطّابِ، إذا لم يَمْنَعْها؛ لأنَّ إقْرَارَه لها على ذلك يَجْرِي مَجرَى اسْتِمْتَاعِه بها. وقال أبو حَنِيفَةَ: إن قَبَّلَتْه لشَهْوَةٍ بَطَلَ خِيَارُه؛ لأنَّه اسْتِمْتاعٌ يَخْتَصُّ المِلْكَ، فأَبْطَلَ خِيارَه، كما لو قَبَّلَها. ولَنا، أنَّها قُبْلَةٌ لأحَدِ المُتَعَاقِدَينِ، فلم يَبْطُلْ خِيارُه، كما لو
[ ١١ / ٣٢١ ]