يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالثّانِيَةُ، الْمُعَاطَاةُ، مِثْلَ أن يَقُولَ: أعْطِنِى بِهَذَا الدِّينَارِ خُبْزًا. فَيُعْطِيَهُ مَا يُرْضِيهِ. أو يَقُولَ الْبَائِعُ: خُذْ هَذَا بِدِرْهَم. فَيَأْخُذَهُ. وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يَصِحُّ هَذَا إِلَّا في الشَّئِ الْيَسِيرِ.
_________________
(١) في المَجْلِسِ ولم يَتَشاغَلا بما يَقْطَعُه، وإلَّا فلا) لأنَّ حالَةَ المَجْلِس كحالَةِ العَقْدِ؛ بدَلِيلِ أنَّه يَكْتَفِى بالقَبْضِ فيه لِما يَشْتَرِطُ قَبْضَه. فإن تَفَرَّقا عن المَجْلِسِ، أو تَشاغَلا بما يَقْطَعُه، لم يَصِحَّ؛ لأن العَقْدَ إنَّما يتمُّ بالقَبُولِ، فلم يَتِمَّ مع تَباعُدِه عنه، كالاسْتِثْناءِ، والشَّرْطِ، وخَبَرِ المُبْتَدَأ الَّذى لا يَتِمُّ الكَلَامُ إلَّا به.
(٢) مسألة: (الثّانِيَةُ، المُعاطاةُ) وهو (أن يَقُولَ: أعْطِنى بهذا الدِّينارِ خُبْزًا. فيُعْطِيَه ما يُرْضِيهِ. أو يَقُولَ البائِعُ: خُذْ هذا بدِرْهَمٍ. فيَأْخُذَه. وقال القاضِى: لا يَصِحُّ هذا إلَّا في الشَّئِ اليَسِيرِ) نَصَّ أحمدُ على صِحَّةِ هذا البَيْعِ، في مَن قال لخَبّازٍ: كيف تَبِيعُ الخُبْزَ؟ قال: كذا بدِرْهَمٍ. قال: زِنْهُ، وتَصَدَّقْ به. فإذا وَزَنَه، فهو عليه. وقَوْلُ مالِكٍ نَحْوٌ مِن هذا، فإنَّه قال: يَقَعُ البَيْعُ بما يَعْتَقِدُه النّاسُ بَيْعًا. وقال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: يَصِح في خَسائِسِ الأشْياءِ. وهو قَوْلُ القاضِى؛ لأنّ العُرْفَ
[ ١١ / ١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) إنَّما جَرَى به في الشَّىْءِ اليَسِيرِ. ومَذْهَبُ الشافعىِّ، أنَّ البَيْعَ لا يَصِحُّ إلَّا بإيجابٍ وقَبُولٍ. وذَهَب بَعْضُ أصْحابِه إلى مِثْلِ قَوْلِنا. ولَنا، أن اللَّهَ تعالى أحَلَّ البَيْعَ، ولمْ يُبَيِّن كَيْفِيَّته، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فيه إلى العُرْفِ، كما رُجِعَ إليه في القَبْضِ والإِحْرازِ والتَّفْرِيقِ، والمُسْلِمُون في أسْواقِهم وبِياعاتِهم على ذلك، ولأنّ البَيْعَ كان مَوجُودًا بينَهم مَعْلُومًا عندَهم، وإنَّما عَلَّقَ الشَّرْعُ عليه أحْكامًا، وأبْقاه على ما كان، فلا يَجُوزُ تَغْيِيرُه بالرَّأْىِ والتَّحَكُّمِ، ولَمْ يُنْقَلْ عن النبى -ﷺ- ولا عن أصْحابِه -مع كثْرةِ وُقُوعِ البَيْعِ بينَهم- اسْتِعْمالُ الإِيجابِ والقَبُولِ، ولو اسْتَعْمَلُوا ذلك في بِياعاتِهم لنُقِلَ نَقْلًا شائِعًا، ولو كان ذلك شَرْطًا، لوَجَبَ نَقْلُه، ولَمْ يُتَصَوَّرْ منهم إهْمالُه والغَفْلَةُ عن نَقْلِه، ولأنَّ البَيْعَ مِمّا تَعُمُّ به البَلْوَى، فلو اشْتُرِطَ الإِيجابُ والقَبُولُ لبَيَّنَه النبىُّ -ﷺ- بَيانًا عامًّا، ولم يَخْفَ حُكْمُه؛ لأنَّه يُفْضِى إلى وُقُوعِ العُقُودِ الفاسِدَةِ كَثِيرًا، وأكْلِهمُ المالَ بالباطِلِ، ولم يُنْقَلْ ذلك عن النبىِّ -ﷺ-، ولا عن أحدٍ مِن أصْحابِه، فيما عَلِمْناه، ولأنَّ النّاسَ يَتَبايَعُون بالمُعاطاةِ في كلِّ عَصْرٍ، ولم يُنْقَلْ إنْكارُه قبلَ مُخالِفِينا، فكان إجْماعًا،
[ ١١ / ١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولأنَّ الإِيجابَ والقَبُولَ إنَّما يُرَادانِ للدَّلالَةِ [على التَّراضِى] (١)، فإذا وُجِدَ ما يَدُلُّ عليه مِن المُساوَمَةِ والتَّعاطِى، قام مَقامَهما، وأجْزَأ عنهما؛ لعَدَمِ التَّعَبُّدِ فيه.
فصل: وكذلك الحُكْمُ في الإِيجابِ والقَبُولِ، في الهِبَةِ والهَدِيَّةِ والصَّدَقَةِ، فإنَّه لم يُنْقَلْ عنِ النبى -ﷺ-، ولا عن أحَدٍ مِن أصْحابِه اسْتِعْمالُ ذلك فيه، وقد أُهْدِىَ إلى رسولِ اللَّهِ -ﷺ- مِن الحَبَشَةِ وغيرِها، وكان
_________________
(١) سقط من: م.
[ ١١ / ١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النّاسُ يَتَحَرَّوْن بهَداياهم يومَ عائِشَةَ. مُتَّفَقٌ عليه (١). ورَوَى البُخارِىُّ (٢) عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -ﷺ-، إذا أُتِى بطَعامٍ سَأل عنه: «أهَدِيَّة أمْ صَدَقَةٌ؟». فإن قِيلَ: صَدَقَةٌ. قال لأصْحابِه: «كُلُوا». ولم يَأْكُلْ، وإن قِيلَ: هَدِيَّةٌ. ضَرَب بيَدِه، فأكَلَ معهم. وفى حديثِ سَلْمانَ (٣)، ﵁، حينَ جاء إلى النبىِّ -ﷺ- بتَمْرٍ، فقال: هذا شَىْءٌ مِن الصَّدَقَةِ، رَأيتُك أنت وأصْحابَكَ أحَقَّ النّاسِ به. فقال النبىُّ -ﷺ- لأصْحابِه: «كُلُوا». ولم يَأْكُلْ، ثم أتاه ثانِيَةً بتَمْرٍ، فقال: رَأيْتُك لا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وهذا شَىْءٌ أهْدَيْتُه لك. فقال النبىُّ -ﷺ-: «بِسْم اللَّهِ». وأكَلَ. ولم يُنْقَلْ قَبُولٌ، ولا أمْرٌ بإيجابٍ. وإنَّما سَأل ليَعْلَمَ، هل
_________________
(١) أخرجه البخارى، في: باب قبول الهدية، وباب من أهدى إلى صاحبه فتحرى بعض نسائه دون بعض، من كتاب الهبة، وفى: باب فضل عائشة ﵂، من كتاب فضائل الصحابة. صحيح البخارى ٣/ ٢٠٣ - ٢٠٥، ٥/ ٣٧. ومسلم، في: باب في فضل عائشة رضى اللَّه تعالى عنها، من كتاب فضائل الصحابة. صحيح مسلم ٤/ ١٨٩١. كما أخرجه الترمذى، في: باب فضل عائشة ﵂، من أبواب المناقب. عارضة الأحوذى ١٣/ ٢٥٥. والنسائى، في: باب حب الرجل بعض نسائه أكثر من بعض، من كتاب عشرة النساء. المجتبى ٧/ ٦٤. والإمام أحمد، في: المسند ٦/ ٢٩٣.
(٢) تقدم تخريجه في ٧/ ٢٩٧.
(٣) أخرجه الإمام أحمد، في: المسند ٥/ ٤٣٨، ٤٣٩.
[ ١١ / ١٥ ]