وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ ثَوْبِى هَذَا، عَلَى أَنَّكَ مَتَى لَمَسْتَهُ، فَهُوَ عَلَيْكَ بِكَذَا. أَوْ يَقُولَ: أَىُّ ثَوْبِ لَمَسْتَهُ، فَهُوَ لَكَ بِكَذَا. وَلَا بَيْعُ الْمُنَابَذَةِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَىُّ ثَوْبٍ
ــ
وبهذا قال مالِكٌ. وقال أبو حَنِيفَةَ: له الخِيارُ إلى مَعْرِفَتِه بالبَيْعِ؛ إمّا بحَسِّه، أو ذَوْقِه، أو وَصْفِه. وقال عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ الحَسَنِ: شِراؤُه جائِزٌ، وإِذا أَمَرَ إِنْسَانًا بالنَّظرَ إليه، لَزِمَه. وقال الشّافِعِىُّ: لا يَجُوزُ إِلَّا على الوَجْهِ الذى يَجُوزُ فيه بَيْعُ المَجْهُولِ، أو يكونُ قد رَآهُ بَصِيرًا، ثم اشْتَراهُ قبلَ مُضِىِّ زَمَنٍ يَتَغَيَّرُ فيه المَبِيعُ؛ لأنَّه مَجْهُولُ الصِّفةِ عند العاقِدِ، فلم يَصِحَّ، كبَيعِ البَيْضِ في الدَّجاجِ، والنَّوَى في التَّمرِ. ولَنا، أنَّه يُمْكِنُ الاطِّلاعُ على المَقْصُودِ ومَعْرِفَتُه، فأَشْبَهَ بَيْعَ البَصِيرِ، ولأنَّ إشارَةَ الأخْرَسِ تَقُومُ مَقامَ عِبارتِه (١)، فكذلك شَمُّ الأعْمَى وذَوْقُه، فأمّا البَيْضُ والنَّوَى، فلا يُمْكِنُ الاطِّلاعُ عليه ولا وَصْفُه، بخِلافِ مسألتِنا.
١٥٦٨ - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ المُلامَسَةِ؛ وهو أن يَقُولَ: بعْتُكَ ثَوْبِى هذا، على (٢) أنَّكَ متى لَمَسْتَه، فهو عَلَيْكَ بكذا. أو يقولَ: أَىُّ ثَوْبٍ لَمَسْتَهُ، فهو لَكَ بكذا. ولَا بَيْعُ المُنابَذَةِ؛ وهو أن يقولَ:
_________________
(١) في ر ١: «نطقه».
(٢) سقط من: م.
[ ١١ / ١١١ ]
نَبَذْتَهُ إِلَىَّ، فَهُوَ عَلَىَّ بِكَذَا. وَلَا بَيْعُ الْحَصَاةِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: ارْمِ هَذِهِ الْحَصَاةَ، فَعَلَى أىِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ، فَهُوَ لَكَ بِكَذَا. أَوْ يَقُولَ: بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ قَدْرَ مَا تَبْلُغُ هَذِه الْحَصَاةُ إِذَا رَمَيْتَهَا بِكَذَا.
ــ
أىُّ ثَوْبٍ نَبَذْتَه إلَىَّ، فهو عَلَىَّ بكذا. ولا بَيْعُ الحَصَاةِ، وهو أَنْ يقولَ: ارْمِ هذه الحَصَاةَ، فعَلَى أىِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ، فهو لَكَ بكذا. أو يقولَ: بِعْتُكَ مِن هذه الأَرْضِ قَدْرَ ما تَبْلُغُ هذه الحَصَاةُ إذا رَمَيْتَها بكذا) لا نَعْلَمُ بينَ أَهْلِ العِلْمِ خِلافًا في فَسادِ هذه المُبايَعاتِ. والمُلَامَسَةُ، أن يَبِيعَه شَيْئًا، ولا يُشاهِدَه، على أنَّه مَتَى لَمَسَهُ وَقَعَ البَيْعُ. والمُنَابَذَةُ، أن يقولَ: أىُّ ثَوْبٍ نَبَذْتَه إلَىَّ، فقد اشْتَرَيْتُه بكذا. هكذا فَسَّرَهُ أحمدُ في الظَّاهِرِ عنه. ونحوَه قال مالِكٌ، والأَوْزَاعِىُّ. وفيما رَوَى البُخَارِىُّ (١) أنَّ رَسُولَ اللَّهِ
_________________
(١) أخرجه البخارى، في: باب ما يستر من العورة، من كتاب الصلاة، وفى: باب بيع الملامسة، وباب بيع المنابذة، وباب بيع المخاضرة، من كتاب البيوع، وفى: باب اشتمال الصماء، وباب الاحتباء في ثوب واحد، من كتاب اللباس، وفى: باب الجلوس كيفما تيسر، من كتاب الاستئذان. صحيح البخارى ١/ ١٠٣، ٣/ ٩١، ٩٢، ١٠٢، ٧/ ١٩٠، ١٩١، ٨/ ٧٩. ومسلم، في: باب إبطال بيع الملامسة والمنابذة، من كتاب البيوع. صحيح مسلم ٣/ ١١٥١. كما أخرجه أبو داود، في: باب في بيع الغرر، من كتاب البيوع. سنن أبى داود ٢/ ٢٢٨. والترمذى، في: باب ما جاء في الملامسة والمنابذة، من أبواب البيوع. عارضة الأحوذى ٦/ ٤٥، ٤٦. والنسائى، في: باب بيع الملامسة، وباب تفسير ذلك، وباب بيع المنابذة، وباب تفسير ذلك، من كتاب البيوع. المجتبى ٧/ ٢٢٨ - ٢٣٠. وابن ماجه، في: باب ما جاء في النهى عن المنابذة والملامسة، من كتاب التجارات. سنن ابن ماجه ٢/ ٧٣٣. والدارمى، في: باب في النهى عن المنابذة والملامسة، من كتاب البيوع. سنن الدارمى ٢/ ٢٥٣. والإمام مالك، في: باب الملامسة والمنابذة، من كتاب البيوع، وفى: باب ما جاء في لبس الثياب، من كتاب اللبس. الموطأ ٢/ ٦٦٦، ٩١٧. والإمام أحمد، في: المسند ٢/ ٣٧٩، ٤١٩، ٤٦٤، ٤٧٦، ٤٨٠، ٤٩١، ٤٩٦، ٥٢١، ٥٢٩، ٣/ ٦، ٦٦، ٩٥.
[ ١١ / ١١٢ ]
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَلَا عَبْدًا مِنْ عَبِيدٍ، وَلَا شَاةً
ــ
- ﷺ- نَهَى عن المُنَابَذَةِ، وهى طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَه بالبَيْعِ إلى الرَّجُلِ، قبلَ أن يُقَلِّبَه أو يَنْظرُ إليه، ونَهَى عن المُلَامَسَةِ، والمُلامَسَةُ لَمْسُ الثَّوْبِ لا يَنْظُرُ إليه. ورَوَى مُسْلِمٌ (١) عن أبى هُرَيْرَةَ في تفسيرِهما، قال: هو لَمْسُ كُلِّ واحِدٍ منهما ثَوْبَ صاحِبِه بغَيْرِ تَأَمُّلٍ، والمُنابَذَةُ، أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ واحِدٍ منهما ثَوْبَه، ولم يَنْظر كُلُّ واحِدٍ منهما إلى ثَوْبِ صاحِبِه. وعلى التَّفْسِيرِ الأَوَّلِ لا يَصِحُّ البَيْعُ فيهما؛ لِعِلَّتَيْنِ؛ إحْداهُما، الجَهالَةُ. والثَّانِيَةُ، كَوْنُه مُعَلَّقًا على شَرْطٍ؛ وهو نَبْذُ الثّوْبِ، أو لَمْسُه له. وإنْ عَقَدَ البَيْعَ قبلَ نَبْذِه ولَمْسِه، فقال: بِعْتُكَ مَا تَلْمِسُهُ مِن هذه الثِّيابِ. أو: ما أنْبِذُه إليك. فهو غيرُ مُعَيَّنٍ ولا مَوْصُوفٍ، فأشْبَهَ ما لو قالَ: بِعْتُكَ واحِدًا منهما. فأمَّا بَيْعُ الحَصَاةِ، فقد رَوَى مسلمٌ (٢)، عن أبِى هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِىَّ -ﷺ-، نهَى عن بَيْع الحَصَاةِ. واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِه، فقيلَ: هو أَنْ يقولَ: ارْمِ هذه الحَصَاةَ، فعلى أىِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ، فهو لَكَ بدِرْهَمٍ. وقيلَ: هو أَنْ يقولَ: بِعْتُكَ مِن هذه الأرضِ مِقْدارَ ما تَبْلُغُ هذه الحَصاةُ إِذا رَمَيْتَها، بكذا. وقيلَ: هو أَنْ يقولَ: بِعْتُكَ هذا بكذا، على أنِّى مَتَى رَمَيْتُ هذه الحَصاةَ، وَجَبَ البَيْعُ. وكُلُّ هذه البُيُوعِ فَاسِدَةٌ؛ لِما فيها مِن الغَرَرِ والجَهْلِ. واللَّهُ تَعالَى أعْلَمُ.