ولنا ما روى عبد الله بن زيد قال: أتانا رسول الله ﷺ فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ، رواه البخاري وعن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ في تور من شبه رواه أبو داود وأما آنية الجواهر فلا يصح قياسها على الأثمان لوجهين (أحدهما) أن هذا لا يعرفه الاخواص الناس فلا تنكسر قلوب الفقراء لكونهم لا يعرفونه (الثاني) أن هذه الجواهر لقلتها لا يحصل اتخاذ الآنية منها إلا نادرا ولو اتخذت كانت مصونة لا تستعمل ولا تظهر غالبا فلا تفضي إباحتها إلى استعمالها بخلاف آنية الذهب والفضة فإنها في مظنة الكثرة فكان التحريم متعلقا بالمظنة فلم يتجاوزه كما تغلق حكم التحريم في اللباس بالحرير وجاز استعمال القصب من الثياب وإن زادت قيمته على قيمة الحرير ولو جعل فص خاتمه جوهرة ثمينة جاز ولو جعله ذهبا لم يجز (مسألة) قال (إلا آنية الذهب والفضة والمضبب بهما فإنه يحرم اتخاذها واستعمالها على الرجال والنساء) قال شيخنا ﵀ لا يختلف المذهب فيما علمنا في تحريم اتخاذ آنية الذهب والفضة وحكي عن
[ ١ / ٥٦ ]
الشافعي إباحته لتخصيص النهي بالاستعمال ولأنه لا يلزم من تحريم الاستعمال تحريم الاتخاذ كما لو اتخذ الرجل ثياب الحرير وذكره بعض أصحابنا وجها في المذهب ولنا أن ما حرم استعماله مطلقا حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كالملاهي، وأما ثياب الحرير فإنها تباح للنساء وتباح التجارة فيها فحصل الفرق وأما تحريم استعمالها فهو قول أكثر أهل العلم منهم أبو حنيفة ومالك.
وعن معاوية بن قرة أنه قال لا بأس بالشرب من قدح فضة، وعن الشافعي قول أنه مكروه غير محرم لأن النهي لما فيه من التشبه بالأعاجم فلا يقتضي التحريم ولنا ما روى حذيفة أن النبي ﷺ قال " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم
في الدنيا ولكم في الآخرة " وعن أم سلمة قالت قال رسول الله ﷺ " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " متفق عليهما فتوعد عليه بالنار فدل على تحريمه ولأن في ذلك سرفا وخيلاء وكسر قلوب الفقراء - دل الحديثان على تحريم الأكل والشرب فكذلك الطهارة وسائر الاستعمال ولأنه إذا حرم في غير العبادة
[ ١ / ٥٧ ]
ففيها أولى ولا فرق في ذلك بين الرجال والنساء لعموم النص والمعنى فيهما وإنما أبيح التحلي في حق المرأة لحاجتها إلى التزين للزوج وهذا يختص الحلي فاختصت الإباحة به، وكذلك المضبب بهما فإن كان كثيرا فهو محرم بكل حال ذهبا كان أو فضة لحاجة أو غيرها وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة هو مباح لأنه تابع للمباح أشبه اليسير ولنا ما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال " من شرب في إناء من ذهب أو فضة أو إناء فيه شئ من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم " رواه الدارقطني ولأن فيه سرفا وخيلاء أشبه الصفر الخالص وفارق اليسير فإنه لا يوجد فيه المعنى المحرم (مسألة) قال (فإن توضأ منها أو اغتسل فهل تصح طهارته؟ على وجهين) أحدهما: تصح طهارته اختاره الخرقي وهو قول أصحاب الرأي والشافعي وإسحاق وابن المنذر لأن فعل الطهارة وماءها لا يتعلق بشئ من ذلك أشبه الطهارة في الدار المغصوبة.
والثاني: لا تصح، اختاره أبو بكر لأنه
[ ١ / ٥٨ ]