(فصل) وهل يستحب مسح العنق؟ فيه روايتان (إحداهما) يستحب لما روي عن النبي ﷺ أنه مسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق.
رواه أحمد في المسند من رواية ليث بن أبي سليم وهو متكلم فيه، ولما روي عن النبي ﷺ أنه قال " امسحوا أعناقكم مخافة الغل " ذكره ابن عقيل في الفصول (والثانية) لا يستحب لأن الله تعالى لم يأمر به، وإن الذين حكوا وضوء رسول الله ﷺ عثمان وعلي وعبد الله بن زيد وابن عباس لم يذكروه ولم يثبت فيه حديث (مسألة) (ولا يستحب تكراره وعنه يستحب) الصحيح من المذهب أنه لا يستحب التكرار في مسح الرأس وهو قول أبي حنيفة ومالك، ويروى عن ابن عمر وابنه سالم والحسن ومجاهد قال
الترمذي والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم، وعن أحمد أنه يستحب.
يروي ذلك عن أنس وعطاء وسعيد بن جبير وهو قول الشافعي لما روى أبو داود عن شقيق بن سلمة قال: رأيت عثمان غسل ذراعيه ثلاثا ومسح برأسه ثلاثًا ثم قال رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل هذا وروي مثل ذلك عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ، وروى علي وابن عمر وأبو هريرة وأبي بن كعب وغيرهم أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا وفي حديث أبي قال " هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلي " ورواه ابن ماجة وقياسا على سائر الأعضاء، ووجه الرواية الأولى أن عبد الله بن زيد وصف وضوء رسول الله ﷺ قال مسح برأسه مرة واحدة، متفق عليه وكذلك
[ ١ / ١٤٠ ]
روى علي وقال هذا وضوء رسول الله ﷺ من أحب أن ينظر إلى طهور رسول الله ﷺ فلينظر إلى هذا، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وكذلك وصف عبد الله بن أبي أوفى وابن عباس وسلمة بن الاكوع والربيع كلهم قالوا ومسح برأسه مرة واحدة وحكايتهم لوضوء رسول الله ﷺ إخبار عن الدوام ولا يداوم إلا على الأفضل، وحكاية ابن عباس وضوء رسول الله ﷺ في الليل حال خلوته ولا يفعل في تلك الحال إلا الأفضل، ولأنه مسح في طهارة فلم يسن تكراره كالمسح على الجبيرة والخفين، وأحاديثهم لا يصح منها شئ صريح، قال أبو داود أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا ثلاثا وقالوا فيها ومسح رأسه ولم يذكروا عددا والحديث الذي ذكر فيه مسح رأسه ثلاثا رواه يحيى بن آدم وخالفه وكيع فقال توضأ ثلاثا فقط والصحيح المتفق عليه عن عثمان أنه لم يذكر في مسح الرأس عددا.
ومن روي عنه ذلك سوى عثمان لم يصح لأنهم الذين رووا أحاديثنا وهي صحيحة فيلزم من ذلك ضعف ما خالفها والأحاديث التي ذكروا فيها أن النبي ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا أرادوا بها سوى المسح لأنهم حين فصلوا قالوا ومسح برأسه مرة واحدة قالوا والتفصيل يحكم به على الإجمال ويكون تفسيرا ولا يعارضه كالخاص مع العام
[ ١ / ١٤١ ]