عليه وسلم وجد شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال رسول الله ﷺ " ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به " رواه مسلم ولأن الصحابة ﵃ لما فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم وذبائحهم ميتة ونجاسته لا تمنع الانتفاع به كالاصطياد بالكلب وركوب البغل والحمار (مسألة) (وعنه يطهر منها جلد ما كان طاهرا حال الحياة) نص أحمد على ذلك قال بعض أصحابنا إنما يطهر جلد ما كان مأكول اللحم وهو مذهب الأوزاعي وأبي ثور واسحاق لأنه روي أن النبي ﷺ قال " ذكاة الأديم دباغه " رواه الإمام أحمد وأبو داود فشبه الدباغ بالذكاة والذكاة إنما تعمل في مأكول اللحم ولأنه أحد المطهرين للجلد فلم يؤثر في غير مأكول كالذبح والأول ظاهر كلام أحمد لعموم لفظه في ذلك ولأن قوله ﷺ " أيما إهاب دبغ فقد طهر " يتناول
[ ١ / ٦٦ ]
المأكول وغيره وخرج منه ما كان نجسا في الحياة لكون الدبغ إنما يؤثر في رفع نجاسة حادثة بالموت فتبقى فيما عداه على قضية العموم، وحديثهم يحتمل أنه أراد بالذكاة التطيبب من قولهم رائحة ذكية أي طيبة ويحتمل أنه أراد بالذكاة الطهارة فعلى هذين التأويلين يكون اللفظ عاما في كل جلد فيتناول ما اختلفنا فيه ويدل على التأويل الذي ذكرنا أنه لو أراد بالذكاة الذبح لأضافه إلى الحيوان كله لا إلى الجلد (فصل) فأما جلود السباع فقال القاضي: لا يجوز الانتفاع بها قبل الداغ ولا بعده، وبذلك
قال الاوزاعي وابن المبارك واسحاق وأبو ثور، وروي عن عمر وعلي ﵄ كراهة الصلا في جلود الثعالب ورخص في جلود السباع جابر، وروي عن ابن سيرين وعروة أنهم رخصوا في الركوب على جلود النمور ومذهب الشافعي طهارة جلود الحيوانات كلها إلا الكلب والخنزير لأنه يرى طهارتها
[ ١ / ٦٧ ]
في حال الحياة وله في جلد الآدمي وجهان، وقال أبو حنيفة يطهر كل جلد إلا جلد الخنزير، وحكي عن أبي يوسف طهارة كل جلد وهو رواية عن مالك ومذهب من حكم بطهارة الحيوانات كلها لعموم قوله ﷺ " أيما إهاب دبغ فقد طهر " متفق عليه ولنا ما روى أبو ريحانة قال: نهى رسول الله ﷺ عن ركوب النمور رواه الإمام أحمد وأبو داود، وعن معاوية والمقدام بن معد يكرب أن النبي ﷺ نهى عن جلود السباع والركوب عليها.
رواه أبو داود والنسائي مع ما ذكرناه، ونهى النبي ﷺ عن الانتفاع بشئ من الميتة فجمعنا بين هذه الأحاديث وبين الأحاديث الدالة على طهارة جلود الميتة بحملها على ما كان طاهرا حال الحياة وحمل أحاديث النهي على ما لم يكن طاهرا لأنه متى أمكن الجمع بين الأحاديث ولو من وجه كان أولى من التعارض بينها - يحقق ذلك أن الدبغ إنما يزيل النجاسة
[ ١ / ٦٨ ]
الحادثة بالموت ويرد الجلد إلى ما كان عليه حال الحياة فإذا كان في الحياة نجسا لم يؤثر فيه الدباغ شيئًا والله أعلم.
(فصل) واذا قلنا بطهارة الجلد بالدباغ لم يحل أكله في قول عامة أهل العلم، وحكي عن ابن حامد أنه يحل وهو وجه لأصحاب الشافعي لقوله ﷺ " ذكاة الأديم دباغه " ولأنه معنى يفيد الطهارة في الجلد أشبه الذبح، وظاهر قول الشافعي أنه إن كان من حيوان مأكول جاز أكله لأن الدباغ بمنزلة الذكاة وإلا لم يجز لأن الذكاة لا تبيحه فالدباغ أولى، والأول أصح لقوله عزوجل (حرمت عليكم الميتة) والجلد منها ولقوله ﷺ " إنما حرم من الميتة أكلها " متفق عليه ولا يلزم من الطهارة إباحة الأكل بدليل تحريم الخبائث مما لا ينجس بالموت وقياسهم لا يقبل مع معارضة
الكتاب والسنة (فصل) ويجوز بيعه وإجارته والانتفاع به في كل ما يمكن سوى الآكل وهو قول الشافعي في الجديد ولا يجوز بيعه قبل الدبغ لا نعلم فيه خلافا لأنه متفق على نجاسته أشبه الخنزير ويفتقر ما يدبغ
[ ١ / ٦٩ ]
به الى أن يكون منشفا للرطوبة منقيا للخبث كالشب والقرظ قال ابن عقيل يشترط أن يكون طاهرا لأنها طهارة من نجاسة فلم تطهر بنجس كالاستجمار وهل يطهر الجلد بمجرد الدبغ قبل غسله بالماء؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يحصل لقول النبي صلى الله عليه والسلم " يطهرها الماء والقرظ " رواه أبو داود ولأن ما يدبغ به نجس بملاقاة الجلد فإذا اندبغ الجلد بقيت الآلة نجسة فتبقى نجاسة الجلد لملاقاتها له فلا تزول إلا بالغسل (والثاني) يطهر لقوله ﷺ " أيما إهاب دبغ فقد طهر " ولأنه طهر بانقلابه فلم يفتقر إلى استعمال الماء كالخمرة إذا انقلبت وروت عائشة أن النبي ﷺ قال " طهور كل أديم دباغه قال شيخنا والأول أولى فإن المعنى والخبر إنما يدلان على طهارة عينه وذلك لا يمنع من وجوب غسله من نجاسة تلاقيه كما لو أصابته نجاسة سوى آلة الدبغ أو أصابته آلة الدبغ بعد فصله عنها ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين
[ ١ / ٧٠ ]
(فصل) ولا يفتقر الدبغ إلى فعل فلو وقع جلد في مدبغة فاندبغ طهر لأنها إزالة نجاسة فهو كالمطر يطهر الأرض النجسة (مسألة) قال ولا يطهر جلد غير المأكول بالذكاة وهذا قول الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك يطهر لقول النبي ﷺ " ذكاة الأديم دباغه " شبه الدبغ بالذكاة والدبغ بطهر الجلد على ما مضى كذلك الذكاة ولنا أن النبي ﷺ نهى عن افتراش جلود السباع وركوب النمور وهو عام في المذكى وغيره ولأنه ذبح لا يبيح اللحم فلم يطهر الجلد كذبح المجوسي والخبر قد أجبنا عنه فيما مضى.
وأما قياس الذكاة على الدبغ فلا يصح فإن الدبغ أقوى لأنه يزيل الخبث والرطوبات كلها ويطيب الجلد على وجه يتهيأ به للبقاء على وجه لا يتغير والذكاة لا يحصل بها ذلك ولا يستغنى بها عن الدبغ فدل على أنه أقوى
[ ١ / ٧١ ]
(مسألة) (ولبن الميتة نجس لأنه مائع في وعاء نجس فتنجس به وكذلك أنفحتها في ظاهر المذهب لما ذكرنا) وهو قول مالك والشافعي وروي أنها طاهرة وهو قول أبي حنيفة وداود لأن الصحابة ﵃ أكلوا الجبن لما دخلوا المدائن وهو يعمل بالأنفحة وذبائحهم ميتة لأنهم مجوس والأول أولى لأنه مائع في إناء نجس أشبه مالو حلب في إناء نجس، وأما المجوس فقد قيل إنهم ما كانوا يذبحون بأنفسهم وكان جزاروهم اليهود والنصارى ولو لم ينقل ذلك عنهم كان الاحتمال كافيا فإنه قد كان فيهم اليهود والنصارى والأصل الحل فلا يزول بالشك وقد روي أن الصحابة ﵃ لما قدموا العراق كسروا جيشا من أهل فارس بعد أن وضعوا طعامهم ليأكلوه فلما فرغ المسلمون منهم جلسوا فأكلوا الطعام وهو لا يخلو من اللحم ظاهرا فلو حكم بنجاسة ما ذبح في بلدهم لما أكلوا من لحمهم، وإذا حكمنا بطهارة اللحكم فالجبن أولى، وعلى هذا لو دخل الإنسان أرضا فيها مجوس وأهل كتاب كان له أكل جبنهم ولحمهم لما ذكرنا
[ ١ / ٧٢ ]
(فصل) وإن ماتت الدجاجة وفيها بيضة قد صلب قشرها فهي طاهرة وهو قول أبي حنيفة وبعض الشافعية وابن المنذر، وكرهها علي بن أبي طالب وابن عمر ومالك والليث وبعض الشافعية لأنها جزء من الميتة، ولنا أنها بيضة صلبة القشرة منفصلة عن الميتة أشبهت الولد إذا خرج حيا من الميتة وكراهية الصحابة محمولة على التنزيه استقذارا لها، وإن لم تكمل البيضة فقال بعض أصحابنا ما كان قشرها أبيض فهو طاهر وما لم يبيض فهو نجس لأنه ليس عليه حائل حصين، واختار ابن عقيل أنها لا تتنجس لأن البيضة عليها غاشية رقيقة كالجلد وهو القشر قبل أن يقوى فلا يتنجس منها إلا مالاقى النجاسة كالسمن الجامد إذا ماتت فيه فأرة إلا أن هذه تطهر إذا غسلت لأن لها من القوة ما يمنع دخول أجزاء النجاسة فيها بخلاف السمن والله أعلم
[ ١ / ٧٣ ]
(مسألة) قال (وعظمها وقرنها وظفرها نجس) عظام الميتة النجسة نجسة مأكولة اللحم أو غيرها كالفيلة لا تطهر بحال وهذا قول مالك والشافعي
واسحاق، ورخص في الانتفاع بعظام الفيلة محمد بن سيرين وابن جريج لما روى أبو داود أن رسول الله ﷺ اشترى لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج، وقال مالك إن الفيل إن ذكي فعظمه طاهر وإلا فهو نجس لأن الفيل مأكول عنده، وقال الثوري وأبو حنيفة عظام الميتات طاهرة لأن الموت لا يحلها (١) فلا تنجس به كالشعر ولنا قول الله تعالى (حرمت عليكم الميتة) والعظم من جملتها فيكون محرما والفيل لا يؤكل لحمه فيكون نجسا على كل حال، والدليل على تحريمه نهى النبي ﷺ عن كل ذي ناب من السباع متفق عليه والفيل أعظمها نابا وحديث ثوبان قال الخطابي عن الأصمعي العاج الذبل ويقال
_________________
(١) ١) الحكم صحيح والتعليل باطل كما ثبت في الاخبار والآثار. والمحرم من الميتة أكلها كما صح مرفوعا والفيل ذو ناب وليس من السباع والنهي عن السباع للكراهة عند مالك وهو ما نختار لضرورة الجمع بينه وبين حصر القرآن المحرمات في أربع
[ ١ / ٧٤ ]