(فصل) ويجب غسل أظفاره وإن طالت والأصبع واليد الزائدة والسلعة لأن ذلك من يده كالثؤلول وإن كانت نابتة في غير محل الفرض كالعضد لم يجب غسلها طويلة كانت أو قصيرة لأنها في غير محل الفرض فهي كالقصيرة وهذا قول ابن حامد وابن عقيل، وقال القاضي يجب غسل ما حاذى محل الفرض منها والصحيح الأول، واختلف أصحاب الشافعي في ذلك نحو ما ذكرنا، وإن كانتا متساويتين ولم تعلم الأصلية منهما غسلهما جميعا ليخرج عن العهدة بيقين كما لو تنجست إحدى يديه غير معينة وإن تعلقت جلدة من الذراع فتدلت من العضد لم يجب غسلها لأنها صارت في غير محل الفرض، وإن كان بالعكس وجب غسلها لأنها صارت في محل الفرض أشبهت الأصبع الزائدة.
وإن تعلقت من أحد المحلين فالتحم رأسها في الآخر وبقي وسطها متجافيا وجب غسل ما حاذى محل الفرض من ظاهرها وباطنها وما تحتها (فصل) إذا كان تحت أظفاره وسخ يمنع وصول الماء إلى ما تحته فقال ابن عقيل: لا تصح طهارته حتى يزيله كما لو كان على يده شمع، قال شيخنا ويحتمل أن لا يجب ذلك لأن هذا يستتر عادة فلو كان غسله واجبا لبينه ﷺ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وقد عاب النبي ﷺ عليهم كونهم يدخلون عليه قلحا ورفغ أحدهم بين أنملته وظفره يعني أن وسخ أرفاغهم تحت أظفارهم يصل إليه رائحة نتنها ولم يعب بطلان طهارتهم ولو كان مبطلا للطهارة لكان ذلك أهم من نتن الريح (فصل) ومن كان يتوضأ من ماء يسير يغترف منه فغرف منه بيديه عند غسل يديه لم يؤثر ذلك في
الماء، وقال بعض أصحاب الشافعي يصير الماء مستعملا بغرفه منه لأنه موضع غسل اليد وهو ناو للوضوء ولغسلها أشبه مالو غمسها في الماء ينوي غسلها فيه، ولنا أن في حديث عثمان: ثم غرف بيده اليمنى على ذراعه اليمنى
[ ١ / ١٣٣ ]
فغسلها إلى المرفقين ثلاثا ثم غرف بيمينه فغسل يده اليسرى رواه سعد.
وفي حديث عبد الله بن زيد: ثم أدخل يده في الإناء فغسل يديه إلى المرفقين مرتين متفق عليه.
ولو كان هذا يفسد الوضوء لكان النبي ﷺ أحق بمعرفته ولبينه لكون الحاجة ماسة إليه إذ كان لا يعرف بدون البيان ولا يتوقاه إلا متحذلق، وما ذكروه لا يصح فإن المغترف لم يقصد بغرفه إلا الاغتراف دون الغسل فأشبه من يغوص في البئر لترقية الدلو وهو جنب لا ينوي الغسل ونية الاغتراف صرفت نية الطهارة (١) والله أعلم (مسألة) (ثم يمسح رأسه) ومسح الرأس فرض بالإجماع لقول الله تعالى (وامسحوا برءوسكم) وهوما ينبت عليه الشعر في حق الصبي، وينبغي أن يعتبر غالب الناس فلا يعتبر الأقرع ولا الأجلح كما قلنا في حد الوجه، والنزعتان من الرأس وكذلك الصدغان وقد ذكرنا ذلك في الوجه (مسألة) (يبدأ بيديه من مقدمه ثم يمرهما إلى قفاه ثم يردهما إلى مقدمه) وجملته أن المستحب في مسح الرأس أن يبل يديه ثم يضع طرف إحدى سبابتيه على طرف الأخرى ويضعهما على مقدم رأسه ويضع الإبهامين على الصدغين ثم يمر يديه إلى قفاه ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه كما روى عبد الله بن زيد في وصف وضوء النبي ﷺ قال: فمسح رأسه بيديه فأقبل
_________________
(١) ١) هذا مذهب الشافعي الذي عليه العمل
[ ١ / ١٣٤ ]
بهما وأدبر، وفي لفظ بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما الى المكان الذي بدأ منه، متفق عليه، فإن كان ذا شعر يخاف أن ينتفش برد يديه لم يردهما نص عليه الإمام أحمد لأنه قد روي عن الربيع أن رسول الله ﷺ توضأ عندها فمسح الرأس كله من فرق الشعر كل ناحية لمصب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته، رواه أبو داود.
وسئل أحمد كيف تمسح المرأة؟ فقال هكذا ووضع يده على وسط
رأسه ثم جرها إلى مقدمه ثم رفعها فوضعها حيث منه بدأ ثم جرها إلى مؤخره، وكيف مسح بعد استيعاب قدر الواجب أجزأه ولا يحتاج إلى ماء جديد في رد يديه على رأسه قال القاضي وقد روي عن أحمد أنه يأخذ للرد ماء جديد وليس بصحيح قاله القاضي (مسألة) (ويجب مسح جميعه مع الأذنين، وعنه يجزئ مسح أكثره) اختلفت الرواية عن أحمد في قدر الواجب.
فروي عنه مسح جميعه في حق كل أحد وهو ظاهر قول الخرقي ومذهب مالك لقوله تعالى (فامسحو برءوسكم) الباء للإلصاق فكأنه قال وامسحوا رءوسكم وصار كقوله سبحانه في التيمم (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) قال ابن برهان من زعم أن الباء للتبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه ولأن الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ذكروا أنه مسح رأسه كله، وقد ذكرنا حديث عبد الله بن زيد وحديث الربيع وهذا يصلح أن يكون بيانا للمسح المأمور به، وروى عن أحمد أنه يجزئ مسح بعضه نقلها عنه أبو الحارث.
ونقل عن سلمة بن الاكوع أنه كان يمسح مقدم رأسه وابن عمر مسح اليافوخ.
[ ١ / ١٣٥ ]
وممن قال بمسح البعض الحسن والثوري والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر.
قال شيخنا إلا أن الظاهر عن أحمد ﵀ في الرجل وجوب الاستيعاب وأن المرأة يجزئها مسح مقدم رأسها، قال الخلال العمل في مذهب أبي عبد الله أنها إن مسحت مقدم رأسها أجزأها لأن عائشة ﵁ كانت تمسح مقدم رأسها، واحتج من أجاز مسح البعض بما روى المغيرة بن شعبة قال رأيت النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين رواه مسلم.
وعن أنس بن مالك قال رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة رواه أبو داود، واحتجوا بأن من مسح بعض الرأس يقال مسح برأسه كما يقال مسح برأس اليتيم وإذا قلنا بجواز مسح البعض فأي موضع مسح أجزأه إلا أنه لا يجزئ مسح الأذنين عن الرأس لأنهما تبع ولا يجزئ مسحهما عن الأصل.
وقال ابن عقيل يحتمل أن لا يجزئ إلا مسح الناصية لأنه ﷺ مسح بناصيته فوجب الاقتداء به واختلف العلماء في قدر البعض المجزئ فقال القاضي قدر الناصية لحديث المغيرة، وحكى أبو الخطاب
وبعض الشافعية أنه لا يجزئه إلا مسح الأكثر لأنه ينطلق عليه اسم الجميع.
وقال أبو حنيفة يجزئه مسح ربعه، وروي عنه أنه لا يجزئه أقل من ثلثه وهو قول زفر، وقال الشافعي يجزئ ما يقع عليه الاسم حكى عنه ثلاث شعرات وحكى عنه لو مسح شعرة أجزأه لوقوع اسم البعض عليه (فصل) ويجب مسح الأذنين معه لأنهما منه بدليل قول النبي ﷺ " الأذنان من الرأس " وروى عن أحمد انه لا يجب مسحهما وهو ظاهر المذهب، قال الخلال كلهم حكوا عن أبي عبد الله فيمن
[ ١ / ١٣٦ ]
ترك مسح أذنيه عامدًا أو ساهيًا أنه يجزئه وظاهر هذا أنه لا يجب سواء قلنا بوجوب الاستيعاب أو لا لأنهما من الرأس على وجه التبع ولا يفهم من إطلاق اسم الرأس دخولهما فيه ولا يشبهان أجزاء الرأس، ولذلك لا يجزي مسحهما عنه عند من اجتزأ بمسح البعض وهو اختيار شيخنا والأولى مسحهما لأن النبي ﷺ مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما رواه الإمام أحمد، وروت الربيع أن النبي ﷺ توضأ عندها فرأيته مسح على رأسه محاذي الشعر ما أقبل منه وما أدبر ومسح صدغيه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما رواهما الترمذي وأبو داود ويستحب أن يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه ويمسح ظاهرهما بابهاميه لأن في بعض ألفاظ حديث الربيع فأدخل أصبعيه في حجري أذنيه رواه أبو داود، ولا يجب مسح ما استتر بالغضاريف لأن الرأس الذي هو الأصل لا يجب مسح ما استتر منه بالشعر فالأذن أولى والله أعلم (فصل) ولا يجب مسح ما نزل عن الرأس من الشعر ولا يجزئ مسحه عن الرأس سواء رده فعقده فوق رأسه أو لم يرده لأن الرأس ما ترأس وعلا، فإن نزل الشعر عن منبته ولم ينزل عن محل الفرض فمسح عليه أجزأه لأنه شعر على محل الفرض أشبه القائم على محله ولأن هذا لا يمكن الاحتراز منه، وإن خضب رأسه بما يستره لم يجزه المسح عليه نص عليه أحمد في الخضاب لأنه لم يمسح على محل الفرض أشبه مالو مسح على خرقة فوق رأسه، ولو أدخل يده تحت الشعر فمسح البشرة دون الظاهر لم يجزه لأن
[ ١ / ١٣٧ ]
الحكم تعلق بالشعر فلم يجزه مسح غيره كما لو أوصل الماء إلى باطن اللحية ولم يغسل ظاهرها، فأما
إن مسح رأسه ثم حلقه أو غسل عضوا ثم قطع منه جزءا أو جلدة لم يؤثر في طهارته لأنه ليس بدلا عما تحته، وإن أحدث بعد ذلك غسل ما ظهر لأنه صار ظاهرا فتعلق الحكم به ولو حصل في بعض أعضائه شق أو ثقب لزمه غسله لأنه صار ظاهرا (فصل) ويمسح رأسه بماء جديد غير ما فضل عن ذراعيه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي والعمل عليه عند أكثر أهل العلم قاله الترمذي، وجوز الحسن وعروة والاوزاعي وابن المنذر مسحه بفضل ذراعيه لما روي عن عثمان أنه مسح مقدم رأسه بيده مرة واحدة ولم يستأنف له ماء جديدا حين حكى وضوء النبي ﷺ رواه سعيد.
ويتخرج لنا مثل ذلك إذا قلنا إن المستعمل طهور لا سيما الغسلة الثانية والثالثة، ووجه الأول ما روى عبد الله بن زيد قال ومسح رأسه بماء غير فضل يديه رواه مسلم.
وفي حديثه المتفق عليه ثم أدخل يده في الإناء فمسح برأسه وكذلك حكى علي في رواية أبي داود ولأن البلل الباقي في يده مستعمل فلا يجزئ به المسح كما لو فصله في إناء ثم استعمله (فصل) فإن غسل رأسه بدل مسحه فعلى وجهين (أحدهما) لا يجزئه لأن الله تعالى أمر بالمسح والنبي ﷺ مسح ولأنه أحد نوعي الطهارة فلم يجزئ عن الآخر كالمسح عن الغسل (والثاني) يجزئ لأنه لو كان جنبا فانغمس في ماء ينوي الطهارتين أجزأه مع أنه لم يمسح فكذلك في الحدث الأصغر وحده
[ ١ / ١٣٨ ]