حكمتم ببلوغه سمعتم نفيه ولعانه؟ قلنا الحاق لولد يكفي فيه الإمكان والبلوغ لا يثبت إلا بسبب ظاهر ولأن إلحاق الولد به حق عليه واللعان حق له فلم يثبت مع الشك؟ فإن قيل فإن لم يكن بالغًا انتفى عنه الولد وإن كان بالغًا انتفى عنه اللعان قلنا إلا أنه لا يجوز أن يبتدئ اليمن مع الشك في صحتها فسقطت للشك فيها.
(الثاني) إذا كان زائل العقل لجنون فلا حكم لقذفه لأن القلم عنه مرفوع أيضًا، وإن أتت امرأته بولد فنسبه لاحق به لا مكانه ولا سبيل إلى نفيه مع زوال عقله فإذا عقل فله نفي الولد حينئذ واستلحاقه، وإن ادعى أنه كان ذاهب العقل حين قذفه فأنكرت ذلك ولأحدهما بينة بما قال ثبت قوله وإن لم يكن لواحد منهما بينة ولم يكن له حال علم فيها زوال عقله فالقول قولها مع يمينها لأن الأصل والظاهر السلامة والصحة، وإن عرفت له حال جنون ولم تعرف له حال إفاقة فالقول قوله مع يمينه، وإن عرفت له حال جنون وحالة إفاقة ففيه وجهان (أحدهما) القول قولها قال القاضي وهو قياس قول أصحابنا في الملفوف إذا ضربه فقده ثم ادعى أنه كان ميتًا وقال الولي كان حيًا (الوجه الثاني) أن القول قوله لأن الأصل براءة ذمته من الحد فلا يجب بالشك ولأن الحد يسقط بالشبهة ولا يشبه هذا الملفوف لأن الملفوف قد علم أنه كان حيًا ولم يعلم منه ضد ذلك فنظيره
[ ٩ / ٢٣ ]
في مسئلتنا أنه يعرف له حالة إفاقة ولا يعلم منه ضدها، وفي مسئلتنا قد تقدمت حالة جنون فيجوز أن يكون قد استرت إلى حين قذفه فإن كانت الزوجة غير مكلفة فقذفها الزوج فإن كانت طفلة لا يجامع مثلها فلا حد على قاذفها لأنه قول يتقين كذبه فيه وبراءة عرضها منه فلم يجب به حد كما لو قال أهل الدنيا زناة ولكنه يعزر للسب لا للقذف ولا يحتاج في التعزير إلى مطالبة لأنه مشروع لتأديبه للإمام فعله إذا رأى ذلك فإن كانت يجامع مثلها كابنة تسع سنين فعليه الحد وليس لوليها ولا لها المطالبة به حتى تبلغ فإذا بلغت فطالبت فلها الحد وله إسقاطه باللعان، وليس له لعانها قبل البلوغ لأن اللعان يراد لإسقاط الحد أو نفي الولد ولا حد عليه قبل بلوغها ولا ولد فينفيه، وإن أتت بولد حكم ببلوغها لأن الحمل أحد أسباب البلوغ ولأنه لا يكون إلا من نطفتها ومن ضرورته إنزالها وهو من أسباب بلوغها فإن قذف امرأته المجنونة بزنا وأضافه إلى حال إفاقتها أو قذفها وهي عاقلة ثم جنت لم يكن لها الطالبة ولا لوليها قبل إفاقتها لأن هذا طريقه التشفي فلا ينوب عنه الولي فيه كالقصاص فإذا أفاقت فلها المطالبة بالحد وللزوج إسقاطه باللعان، وإن أراد لعانها في حال جنونها ولا ولد ينفيه لم يكن له ذلك لعدم الحاجة إليه لأنه لم يتوجه عليه حد فيسقطه ولا نسب فينفيه، وإن كان هناك وله يريد نفيه فالذي يقتضيه المذهب أنه لا يلاعن ويلحقه الولد لأن الولد إنما ينتفي باللعان من الزوجين وهذه لا يصح
[ ٩ / ٢٤ ]
منها لعان، وقد نص أحمد في الخرساء أن زوجها لا يلاعن فهذه أولى، وقال الخرقي فيه العاقلة لا يعرض له حتى تطالبه زوجته وهذا قول أصحاب الرأي لأنها أحد الزوجين فلم يشرع اللعان مع جنونه كالزوج ولأن لعان الزوج وحده لا ينفى به الولد فلا فائدة في مشروعيته، وقال القاضي له أن يلاعن لنفي الولد لأنه محتاج الى نفيه فيشرع له طريق إليه، وقال الشافعي له أن يلاعن، وظاهر مذهبه أن له لعانها مع عدم الولد لدخوله في عموم قوله تعالى (والذين يرمون أزواجهم ولأنه زوج مكلف قاذف لامرأته التي يولد لمثلها فكان له أن يلاعنها كالعاقلة (فصل) قال الشيخ ﵀ (الشرط الثاني) أن يقذفها بالزنا فيقول زنيت أو يا زانية أو رأيتك
تزنين وسواء قذفها بزنا في القبل أو في الدبر لأن كل قذف يجب به الحد، وسواء في ذلك الأعمى والبصير نص عليه أحمد، وبهذا قال الثوري والشافعي وابو ثور وهو قول عطاء وقال يحيى الانصاري وابو الزناد ومالك لا يكون اللعان إلا بأحد أمرين إما رؤية وإما إنكار الحمل لأن آية اللعان نزلت في هلال بن أمية وكان قال رأيت بعيني وسمعت بأذني فلا يثبت اللعان إلا في مثله ولنا قول الله تعالى (والذين يرمون أزواجهم) الآية وهذا رام لزوجته فيدخل في عموم الآية ولأن اللعان معنى يتخلص به من موجب القذف فيشرع في حق كل رام لزوجته كالبينة والأخذ بعموم
[ ٩ / ٢٥ ]
اللفظ أولى من خصوص السبب ثم لم يعملوا به في قوله وسمعت بأذني إذا ثبت ذلك فسواء قذفها بزنا في القبل أو في الدبر وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يثبت اللعان بالقذف بالوطئ في الدبر وبناه على أصله في ان ذلك لا يجب به الحد ولنا أنه رام لزوجته بوطئ في فرجها فأشبه ما لو قذفها بالوطئ في قبلها (مسألة) (فإن قال وطئت بشبهة أو مكرهة فلا لعان بيهما) لأنه لم يقذفها بما يوجب الحد وعنه إن كان ثم ولد لاعن لنفيه وإلا فلا لأنه محتاج إلى نفيه (مسألة) (وإن قال لم تزن ولكن ليس هذا الولد مني فهو ولده في الحكم ولا حد عليه لها) لأن هذا ليس بقذف بظاهره لاحتمال أن يريد أنه من زوج آخر أو من وطئ شبهة أو غير ذلك ولكنه يسئل فان قال زنيت فولدت هذا من الزنا هذا قذف يثبت به اللعان، وإن قال أردت أنه لا يشبهني خلقًا ولا خلقًا فقالت بل أردت قذفي فالقول قوله لأنه أعلم بمراده لا سيما وقد صرح بقوله لم تزن فإن قال وطئت بشبهة والولد من الواطئ فلا حد عليه أيضًا لأنه لم يقذفها ولا قذف واطئها وإن قال أكرهت على الزنا فلا حد عليه لأنه لم يقذفها ولا لعان في هذه المواضع لعدم القذف الذي هو من شرط اللعان ويلحقه نسب الولد وبهذا قال أبو حنيفة وذكر القاضي أنه إذا قال أكرهت رواية أخرى أن له اللعان لأنه محتاج الى نفي الولد بخلاف ما إذا قال وطئت بشبهة فإنه يمكنه نفي الولد
[ ٩ / ٢٦ ]