(فصل) فإن قال الحل علي حرام أو ما أحل الله علي حرام أو ما انقلب إليه حرام وله امرأة فهو مظاهر نص عليه أحمد في الصور الثلاث وذلك لانه لفظه يقتضي العموم فيتناول المرأة بعمومه وإن صرح بتحريم المرأة أو نواها فهو آكد قال أحمد فيمن قال ما أحل الله علي حرام من أهل ومال: عليه كفارة الظهار هو يمين ويجزئه كفارة واحدة في ظاهر كلام أحمد هذا، واختار ابن عقيل أنه يلزمه كفارتان للظهار ولتحريم المال لأن التحريم يتناولهما وكل واحد منهما لو انفرد أوجب كفارة فكذلك إذا اجتمعا.
ولنا أنها يمين واحدة فلا توجب كفارتين كما لو تظاهر من امرأتين أو حرم من ماله شيئين وما ذكره منتقض بهذا وفي قول أحمد هو يمين إشارة الى التعليل بما ذكرناه لأن اليمين الواحدة لا توجب أكثر من كفارة واحدة، فإن نوى بقوله ما أحل الله علي حرام وغيره من لفظات العموم المال لم يلزمه إلا كفارة اليمين لأن اللفظ العام يجوز استعماله في الخاص، وعلى الرواية الأخرى التي تقول إن الحرام بإطلاقه ليس بظهار لا يكون ههنا مظاهرًا إلا أن ينوي الظهار (فصل) وإن قال أنت علي كظهر أمي حرام فهو صريح في الظهار لا ينصرف إلى غيره سواء نوى الطلاق أو لم ينوه وليس فيه اختلاف بحمد الله لأنه صرح بالظهار وبينه بقوله حرام وإن قال أنت علي حرام كظهر أمي أو كأمي فكذلك وبه قال أبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي، والقول الثاني إذا نوى الطلاق فهو طلاق وهو قول أبي يوسف ومحمد إلا أن أبا يوسف قال لا أقبل قوله في
نفي الظهار، ووجه قولهم أن قوله أنت علي حرام إذا نوى به الطلاق فهو طلاق، وزيادة قوله كظهر أمي بعد ذلك لا تنفي الطلاق كما لو قال قال أنت طالق كظهر أمي
[ ٨ / ٥٦٣ ]
ولنا أنه أتى بصريح الظهار فلم يكن طلاقًا كالتي قبلها، وقولهم أن التحريم مع نية الطلاق طلاق لا نسلمه وإن سلمناه لكنه فسر لفظه ههنا بصريح الظهار بقوله فكان العمل بصريح القول أولى من العمل بالنية (فصل) وإن قال أنت طالق كظهر أمي طلقت وسقط قوله كظهر أمي لأنه أتى بصريح الطلاق اولًا وجعل قوله كظهر أمي صفة له فإن نوى بقوله كظهر أمي تأكيدًا للطلاق لم يكن ظهارًا كما لو أطلق وإن نوى به الظهار وكان الطلاق بائنًا فهو كالظهار من الأجنبية لأنه أتى به بعد بينونتها بالطلاق وإن كان رجعيًا كان ظهارا صحيحًا ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لأنه أتى بلفظ الظهار في زمن هي زوجة، وإن نوى بقوله أنت طالق الظهار لم يكن ظهارًا لأنه نوى الظهار بصريح الطلاق وإن قال أنت علي كظهر أمي طالق وقع الظهار والطلاق معًا سواء كان الطلاق بائنًا أو رجعيًا لأن الظهار سبق الطلاق.
(فصل) وإن قال أنت علي حرام ونوى الطلاق والظهار معًا كان ظهارًا ولم يكن طلاقًا لأن اللفظ الواحد لا يكون ظهارًا وطلاقًا، والظهار أولى بهذا اللفظ فينصرف إليه، وقال بعض أصحاب الشافعي يقال له اختر أيهما شئت وقال بعضهم أن قال أردت الطلاق والظهار كان طلاقًا لأنه بدأ به وإن قال أردت الظهار والطلاق كان ظهارًا لأنه بدأ به فيكون ذلك اختيارًا له ويلزمه ما بدأ به ولنا أنه أتى بلفظ الحرام ينوي به الظهار فكانت ظهارًا كما لو انفرد الظهار بنيته ولا يكون طلاقًا لأنه زاحمت نيته نية الظهار وتعذر الجمع والظهار أولى بهذه اللفظة لأن معناهما واحد وهو التحريم فيجب أن يغلب ما هو الأولى.
أما الطلاق فإن معناه الإطلاق وهو حل قيد النكاح وإنما التحريم حكم
[ ٨ / ٥٦٤ ]
له في بعض أحواله وقد ينفك عنه فإن الرجعية مطلقة مباحة، وأما التخبير فلا يصح لأن هذه اللفظة
قد ثبت حكمها حين لفظ بها لكونه أهلًا والمحل قابلا ولهذا لو حكمنا بأنه طلاق لكانت عدتها من حين أوقع الطلاق وليس إليه رفع حكم ثبت في المحل باختياره وإبداله بإرادته، والقول الآخر مبني على أن له الاختيار وهو فاسد على ما ذكرنا ثم إن الاعتبار بجميع لفظه لا بما بدأ به ولذلك لو قال طلقت هذه أو هذه لم يلزمه طلاق الأولى * (فصل) * قال الشيخ ﵁ (ويصح من كل زوج يصح طلاقه مسلما كان أو ذميًا) كل زوج صح طلاقه صح ظهاره وهو البالغ العاقل مسلما كان أو كافرًا حرًا أو عبدا قال أبو بكر وظهار السكران مبني على طلاقه قال القاضي وكذلك ظهار الصبي مبني على طلاقه، قال شيخنا والأقوى عندي أنه لا يصح من الصبي ظهار ولا إيلاء لأنها يمين موجبة للكفارة فلم تنعقد يمينه كاليمين بالله تعالى ولأن الكفارة وجبت لما فيه من قول المنكر والزور وذلك مرفوع عن الصبي لكون القلم مرفوعًا عنه فأما ظهار العبد فهو صحيح، وقيل لا يصح ظهاره لأن الله تعالى قال (فتحرير رقبة) والعبد لا يملك الرقاب.
ولنا عموم الآية ولأنه مكلف يصح طلاقه فصح ظهاره كالحر وأما إيجاب الرقبة فإنما هو على من يجدها ولا ينفي الظهار في حق من لم يجدها كالمعسر فرضه الصيام، ويصح ظهار الذمي وبه قال الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة لا يصح لأن الكفارة لا تصح منه وهي الرافعة للتحريم فلا يصح منه التحريم ودليل أن الكفارة لا تصح منه أنها تفتقر إلى النية فلا تصح منه كسائر العبادات ولنا أن من صح طلاقه صح ظهاره كالمسلم فأما ما ذكروه فيبطل بكفارة الصيد إذا قتله في الحرم
[ ٨ / ٥٦٥ ]
وكذلك الحد يقام عليه ولا نسلم أن التكفير لا يصح منه فإنه يصح منه العتق وإنما لا يصح منه الصيام فلا تمتنع صحة الظهار بامتناع بعض أنواع الكفارة كما في حق العبد، والنية إنما تعتبر لتعيين الفعل للكفارة فلا يمتنع ذلك في حق الكافر كالنية في كنايات الطلاق ومن يخنق في الاحيان يصح ظهاره في إفاقته كما يصح طلاقه فيه (فصل) ومن لا يصح طلاقه لا يصح ظهاره كالطفل والزائل العقل بجنون أو إغماء أو نوم أو غيره
وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا ولا يصح ظهار المكره، وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو يوسف يصح ظهاره، والخلاف في ذلك مبني على الخلاف في صحة طلاقه وقد مضى ذكره.
* (مسألة) * (ويصح من كل زوجة كبيرة كانت أو صغيرة مسلمة أو ذمية ممكن وطؤها أو غير ممكن) وبه قال مالك والشافعي وقال أبو ثور لا يصح الظهار ممن لا يمكن وطؤها لأن الظهار لتحريم وطئها وهو ممتنع منه بغير اليمين.
ولنا عموم الآية ولأنها زوجة يصح طلاقها فصح الظهار منها كغيرها * (مسألة) * فإن ظاهر من أمته أو أم ولده لم يصح وعليه كفارة يمين ويحتمل أن تلزمه كفارة الظهار وممن روي عنه أنه لا يصح الظهار منهما أبن عمر وعبد الله بن عمرو وسعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي وربيعة والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وروي عن الحسن وعكرمة والنخعي وعمرو بن دينار وسليمان بن يسار والزهري وقتادة والحكم والثوري ومالك في الظهار من الأمة كفارة تامة لأنها مباحة
[ ٨ / ٥٦٦ ]