قوله: «أو غُمِسَ فيه يَدُ قائمٍ مِنْ نَوْمِ ليلٍ ناقضٍ لوضُوءٍ»، الضَّمير في قوله: «فيه» يعود إلى الماء القليل. واليد إِذا أُطلقت فالمراد بها إلى الرُّسغ مفصِل الكفِّ من الذِّراع، فلا يدخل فيها الذِّراع.
مثاله: رجل قام من النَّوم في الليل، وعنده قِدْرٌ فيه ماء قليل، فغمس يده إِلى حَدِّ الذِّراع فيكون طاهرًا غير مطهِّر بدليل قوله ﷺ: «إذا استيقظ أحدُكم من نومه؛ فلا يَغمِسْ يدَهُ في الإِناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإِنه لا يدري أين باتت يدُه» (^١).
ففيه النهي عن غمس اليد في الإِناء، والتَّعليل: فإِن أحدكم … إِلخ، فلو غُمِسَت اليدُ في ماء كثير فإِنَّه يكون طَهُورًا، وإِذا غَمَسَ رَجُلٌ رِجْلَهُ فإِنه طَهُورٌ؛ لأنه قال: «يدٌ»، وكذلك لو غَمَسَ ذَراعه فإِنَّهُ طَهُور، ولو غمس كافرٌ يده فإِنه طَهُور، وكذا المجنون أو الصَّغير؛ لأنه غير مكلَّف، ولو غمس رجل يده بعد أن نام طويلًا في النَّهار فإِنَّه طَهور، وكذا إن نام يسيرًا في اللَّيل،
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب الاستجمار وترًا، رقم (١٦٢)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإِناء، قبل غسلها ثلاثًا، رقم (٢٧٨) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٤٩ ]
هذا تقرير كلامهم ﵏. ولو غمس المكلَّف يده بالشروط التي ذكر المؤلِّفُ كان طاهرًا غير مطهِّر.
ولكن إِذا تأمَّلتَ المسألةَ وجدتها ضعيفة جدًا؛ لأنَّ الحديث لا يدلُّ عليه، بل فيه النهي عن غمس اليد، ولم يتعرَّض النبيُّ ﷺ للماء.
وفي قوله: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يدُه»، دليل على أنَّ الماء لا يتغيَّر الحكم فيه؛ لأن هذا التَّعليلَ يدلُّ على أن المسألةَ من باب الاحتياط، وليست من باب اليقين الذي يُرفَعُ به اليقينُ.
وعندنا الآن يقينٌ؛ وهو أن هذا الماء طَهُورٌ، وهذا اليقينُ لا يمكنُ رفعُه إلا بيقين، فلا يُرفَعُ بالشَّكِّ.
وإذا كان النبيُّ ﷺ نهى المسلمَ أن يغمس يده قبل غسلها ثلاثًا فالكافر من باب أَوْلَى، لأن العِلَّة في المسلم النائم هي العِلَّة في الكافر النَّائم، وكونه لم يوجه الخطاب إِلى الكافرين جوابه: أنَّ الصَّحيح أن الكُفَّار مخاطبون بفروع الشَّريعة، وليس هذا حكمًا تكليفيًّا، بل وضعيٌّ.
ثم يُقال عن اشتراط التَّكليف: إِن المميِّز يُخاطَبُ بمثل هذا وإِن كان لا يُعاقَبُ، فقد تكون يده ملوَّثة بالنَّجاسة، وقد لا يستنجي ويمسّ فرجه وهو نائم، فكيف يضرُّ غَمْسُ يد المكلَّف الحافظ نفسه، ولا يضرُّ غمس يد المميِّز؟!.
فهذا القول ضعيف أثرًا ونظرًا، أما أثرًا فلأن الحديث لا يدلُّ عليه بوجه من الوجوه، وأما نظرًا فلأن الشُّروط التي ذكروها
[ ١ / ٥٠ ]
وهي الإِسلام، والتكليف، وأن يكون من نوم ليل لا يتعيَّن أخذُها من الحديث.
أوجه استدلالهم لهذه الشروط من الحديث:
أنَّ قوله: «أحدكم» المخاطبون مسلمون، فهذا شرط الإسلام، وقوله: «أحدكم» لا يخاطب إِلا المكلَّف.
وقوله: «باتت» البيتوتة لا تكون إِلا بالليل.
وأيضًا يُشترط أن يكون ناقضًا للوضوء، وأخذ من قوله: «فإن أحدكم لا يدري»، فالنُّوم اليسير يدري الإِنسان عن نفسه فلا يضرُّ.
فيقال: يد الكافر ويد الصَّغير الذي لم يميِّز أولى بالتَّأثير.
وخلاصة كلامهم: أنه إِذا تمت الشُّروط التي ذكروها وغمس يده في الماء قبل غسلها ثلاثًا فإِنه يكون طاهرًا لا طَهُورًا.
والصَّواب أنه طَهُور؛ لكن يأثم من أجل مخالفته النهي؛ حيث غمسها قبل غسلها ثلاثًا.
ومن أجل ضعف هذا القول قالوا ﵏: إِذا لم يجد الإنسان غيره استعمله ثم تيمَّم من باب الاحتياط (^١) فأوجبوا عليه طهارتين، ولكن أين هذا الإيجاب في كتاب الله، أو سُنَّة رسوله ﷺ!؟ فالواجب استعمال الماء أو التُّراب، لكن لشعورهم ﵏ بضعف هذا القول بأن الماء ينتقل من الطَّهورية إلى الطَّهارة قالوا: يستعمله ويتيمَّم.
_________________
(١) انظر: «الإِنصاف» (١/ ٧٢، ٧٥)، «شرح منتهى الإِرادات» (١/ ١٥).
[ ١ / ٥١ ]
فإن قيل: ما الحكمة في النَّهي عن غمس اليد قبل غسلها ثلاثًا لمن قام من النَّوم؟
أُجيب: أنَّ الحكمة بيَّنها النبيُّ ﷺ بقوله: «فإِنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يدهُ».
فإن قال قائل: وضعت يدي في جِراب، فأعرفُ أنها لم تمسَّ شيئًا نجسًا من بدني، ثم إِنني نمت على استنجاء شرعي، ولو فُرض أنَّها مسَّت الذَّكر أو الدُّبر فإِنَّها لا تنجُس؟
فالجواب: أن الفقهاء ﵏ قالوا: إِن العلَّة غير معلومة فالعمل بذلك من باب التَّعبُّد المحض (^١).
لكن ظاهر الحديث أن المسألة معلَّلةٌ بقوله: «فإِن أحدكم لا يدري أين باتت يدهُ».
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن هذا التَّعليل كتعليله ﷺ بقوله: «إذا استيقظ أحدكم من منامه؛ فليستنثر ثلاث مرَّات؛ فإِن الشيطان يبيت على خياشيمه» (^٢). فيمكن أن تكون هذه اليد عبث بها الشيطان، وحمل إليها أشياء مضرَّة للإنسان، أو مفسدة للماء فنهى النبيُّ ﷺ أن يغمس يده حتى يغسلها ثلاثًا (^٣).
وما ذكره الشيخ ﵀ وَجيهٌ، وإِلا فلو رجعنا إلى الأمر
_________________
(١) انظر: «الإِنصاف» (١/ ٧٢، ٧٥)، «شرح منتهى الإِرادات» (١/ ١٥).
(٢) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق: باب صفة إِبليس وجنوده، رقم (٣٢٩٥)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب الإِيتار في الاستنثار والاستجمار، رقم (٢٣٨) عن أبي هريرة.
(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٤، ٤٥).
[ ١ / ٥٢ ]
الحسِّي لكان الإِنسان يعلم أين باتت يده، لكن السُّنَّة يفسِّر بعضُها بعضًا.