قوله: «أوْ كان آخر غَسْلةٍ زالت بها النجاسة فَطَاهرٌ»، الضَّمير يعود إِلى الماء القليل، والمعروف عند الفُقهاء أنه لا بُدَّ لطهارة المحلِّ المُتَنَجِّس أن يُغسل سبعَ مرات (^١)، فالغسلة الأولى إلى السادسة كلُّ المنفصل من هذه الغسلات نجس؛ لأنه انفصل عن محلٍّ نجس.
مثاله: رجل يغسل ثوبه من نجاسة فالذي ينفصل من الماء من الغسلة الأولى إِلى السَّادسة نجس؛ لأنه انفصل عن محَلٍّ نجس وهو يسير، فيكون قد لاقى النَّجاسة وهو يسير، وما لاقى النَّجاسة وهو يسير فإِنه ينجس بمجرَّد الملاقاة.
أما المنفصل في الغسلة السَّابعة فيكون طاهرًا غير مطهِّر؛ لأنَّه آخر غسلة زالت بها النَّجاسة، فهو طاهر؛ لأنه أثَّر شيئًا وهو التطهير، فلما طَهُرَ به المحلُّ صار كالمستعمل في رفع حَدَث، ولم يكن نجسًا لأنَّه انفصل عن محلٍ طاهر، وأما المنفصل عن الثَّامنة فطَهُورٌ؛ لأنَّه لم يؤثِّر شيئًا ولم يُلاقِ نجاسة. وهذا إِذا كانت عين النَّجاسة قد زالت، وإِذا فُرِضَ أن النَّجاسة لم تزل بسبع غسلات، فإِن ما انفصل قبل زوال عين النَّجاسة نجسٌ لأنه لاقى النَّجاسة وهو يسير.
وقوله: «فطاهر»، هذا جواب قوله: «وإِن تغيَّر طعمه …»، إلخ.
_________________
(١) انظر: ص (٤٢١).
[ ١ / ٥٣ ]
وهذا هو الطَّاهر على قول من يقول: إن المياه تنقسم إِلى ثلاثة أقسام: طَهُور، وطاهر، ونجس.
والصَّحيح أن الماء قسمان فقط: طَهُور ونجس. فما تغيَّر بنجاسة فهو نجس، وما لم يتغيَّر بنجاسة فهو طَهُور، وأن الطَّاهر قسم لا وجود له في الشَّريعة، وهذا اختيار شيخ الإِسلام (^١). والدَّليل على هذا عدم الدَّليل؛ إذ لو كان قسم الطَّاهر موجودًا في الشَّرع لكان أمرًا معلومًا مفهومًا تأتي به الأحاديث بيِّنةً واضحةً؛ لأنه ليس بالأمر الهيِّن إذ يترتَّب عليه إِمَّا أن يتطهَّر بماء، أو يتيمَّم. فالنَّاس يحتاجون إِليه كحاجتهم إلى العِلْم بنواقض الوُضُوء وما أشبه ذلك من الأمور التي تتوافر الدَّواعي على نقلها لو كانت ثابتة.