قوله: «إِلا ضبَّةً يسيرةً من فِضَّة لحاجةٍ»، هذا مستثنى من قوله: «يَحْرُم اتِّخاذها واستعمالها».
فشروطُ الجواز أربعةٌ:
١ - أن تكون ضبَّةً.
٢ - أن تكون يسيرةً.
٣ - أن تكون من فضَّةٍ.
٤ - أن تكون لحاجةٍ.
والدَّليل على ذلك: ما ثبت في «صحيح البخاري» من حديث أنس ﵁: «أن قدح النبيِّ ﷺ انكسر
[ ١ / ٧٨ ]
فاتَّخذ مكان الشَّعْب سلسلة من فِضَّة» (^١).
فيكون هذا الحديث مخصِّصًا لما سبق.
فإن قيل: من أين أخذتم اشتراط كونها يسيرة؟
قلنا: إن هذا هو الغالب في القدح، يعني كونه صغيرًا، والغالب أنَّه إِذا انكسر، فإِنه لا يحتاج إلى شيء كثير، والأصل التَّحريم، فنقتصر على ما هو الغالب.
فإن قيل: أنتم قلتم ضبَّة، وهي ما يُجْبَرُ بها الإِناء، فلو جعل الإنسان على خرطوم الإِبريق فِضَّة؛ فَلِمَ لا يجوز؟
أُجِيبَ: بأن هذا ليس لحاجة، وليس ضَبَّة، بل زيادة وإِلحاق.
فإن قيل: لماذا اشترطتم كونها من فضَّة: لِمَ لا تقيسون الذَّهب على الفِضَّة؟
نقول: إِن النصَّ لم يرد إِلا في الفِضَّة، ثم إِن الذَّهب أغلى وأشدُّ تحريمًا، ولهذا في باب اللِّباس حُرِّم على الرَّجُل خاتمُ الذَّهب، وأُبيح له خاتمُ الفِضَّة، فدلَّ على أن
الفِضَّة أهون، حتى إِن شيخ الإسلام ﵀ قال في باب اللِّباس: إِن الأصل في الفِضَّة الإِباحة وأنها حلال للرِّجَال، إِلا ما قام الدَّليل على تحريمه (^٢).
وأيضًا: لو كان الذَّهب جائزًا لجَبَر النبيُّ ﷺ به الكسر؛
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب فرض الخمس: باب ما ذكر من درع النبي ﷺ، رقم (٣١٠٩).
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٦٤، ٦٥)، «الاختيارات» ص (٧٦، ٧٧).
[ ١ / ٧٩ ]
لأن الذَّهب أبعد من الصدأ بخلاف الفِضَّة، ولهذا لما اتَّخذ بعض الصَّحابة أنفًا من فِضَّة - لما قُطعَ أنفُه في إِحدى المعارك (يوم الكُلاب في الجاهليَّة) - أنتن، فأمرهُ
النبيُّ ﷺ أن يتَّخذ أنفًا من ذهب (^١)، لأنه لا يُنتن.
ومأخذ اشتراط الحاجة في الحديث: أن النبيَّ ﷺ لم يتَّخذْها إِلا لحاجة، وهو الكسر.
قوله: «لحاجة»، قال أهل العلم: الحاجة أن يتعلَّق بها غرضٌ غير الزِّينة (^٢)، بمعنى أن لا يتَّخذها زينة. قال شيخ الإِسلام: وليس المعنى: ألا يجدَ ما يجبر به
الكسرَ سواها؛ لأن
_________________
(١) هو عَرفَجة بن أسعد. والحديث رواه أحمد (٥/ ٢٣)، وأبو داود، كتاب الخاتم: باب ما جاء في ربط الأسنان بالذهب، رقم (٤٢٣٢)، والنسائي، كتاب الزينة: باب مَنْ أُصيب أنفُه هل يتخذُ أنفًا من ذهب (٨/ ١٦٣)، والترمذي كتاب اللباس: باب ما جاء في شدِّ الأسنان بالذهب، رقم (١٧٧٠)، عن جمع منهم: ابن المبارك؛ وابن مهدي؛ ويزيد بن هارون، عن أبي الأشهب، عن عبد الرحمن بن طرفة، عن جده عرفجة بن أسعد .. الحديث. ـ وأعلَّه ابن القطان وابن حجر بأنه قد اختُلف في إِسناده، فرواه ابن علية، وإِسماعيل بن عيّاش، عن أبي الأشهب، عن عبد الرحمن بن طرفة، عن أبيه طرفة، عن عَرفجة به. وطرفة بن عرفجة مجهول. «بيان الوهم والإِيهام» رقم (٤٤٣)، «تهذيب التهذيب» (٥/ ١١)، (٧/ ١٧٦). قلت: نصَّ المزيُّ وغيره على أن المحفوظ هو الوجه الأول دون الثاني، وعليه تكون رواية ابن عياش وابن عُليَّة شاذة غير محفوظة؛ لأنهما خالفا جمعًا من الحفَّاظ. انظر: «تهذيب الكمال» (١٧/ ١٩٢)، «علل الترمذي الكبير» (٢/ ٧٣٩). وعبد الرحمن بن طرفة هذا قد رأى جده عرفجة. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
(٢) انظر: «الإِنصاف» (١/ ١٥٤).
[ ١ / ٨٠ ]
هذه ليست حاجة، بل ضرورة (^١)، والضَّرورة تُبيحُ الذَّهبَ والفضة مفردًا وتبعًا، فلو اضطر إِلى أن يشرب في آنية الذَّهب فله ذلك، لأنَّها ضرورة.