قوله: «باب» الباب: هو ما يُدخَلُ منه إلى الشَّيء، والعُلماء رحمهم الله تعالى يضعون: كتابًا، وبابًا، وفصلًا.
فالكتاب: عبارة عن جملة أبواب تدخل تحت جنس واحد، والباب نوع من ذلك الجنس كما نقول: «حَبٌّ» فيشمل الشعيرَ، والذُّرةَ، والرُّزَّ، لكنَّ الشعير شيءٌ، والرُّز
شيءٌ آخر.
فمثلًا: كتاب الطَّهارة يشمل كلَّ جنس يصدق عليه أنه طهارة، أو يتعلَّق بها.
لكن الأبواب أنواع من ذلك الجنس، كباب المياه، وباب الوُضُوء، وباب الغسل ونحو ذلك.
أما الفصول: فهي عبارة عن مسائل تتميَّز عن غيرها ببعض الأشياء، إِما بشروط أو تفصيلات.
وأحيانًا يُفَصِّلون الباب لطول مسائله، لا لأن بعضها له حكمٌ خاصٌّ، ولكن لطول المسائل يكتبون فصولًا.
قوله: «الآنية»، جمع إِناء، وهو الوعاء، وذكرها المؤلِّفُ هنا، وإِن كان لها صلة في باب الأطعمة - لأن الأطعمة لا تؤكل إِلا بأوانٍ - لأنَّ لها صلة في باب المياه، فإِن
الماء جوهر سيَّال لا يمكن حفظه إلا بإِناء؛ ولذلك ذكروا باب الآنية بعد باب المياه، ومعلوم أنَّ من الأنسب إِذَا كان للشيء مناسبتان أن يُذكرَ في المناسبة الأولى
ويُحَالُ عليه في الثَّانية؛ لأنَّه إِذا أُخِّرَ
[ ١ / ٦٨ ]
إِلى المناسبة الثَّانية فاتت فائدتُه في المناسبة الأولى، لكن إِذا قُدِّم في المناسبة الأولى؛ لم تَفُتْ فائدته في المناسبة الثانية اكتفاءً بما تقدَّم.
والأصل في الآنية الحِلُّ، لأنها داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ومنه الآنية؛ لأنها مما خُلِقَ في الأرض، لكن
إِذا كان فيها شيء يوجب تحريمها، كما لو اتُّخذت على صورة حيوان مثلًا فهنا تحرم، لا لأنها آنية، ولكن لأنها صارت على صورة محرَّمةٍ.
والدَّليل من السُّنَّة قوله ﷺ: «وما سَكَتَ عنه فهو عَفْوٌ» (^١).
وقوله أيضًا: «إن الله فَرَض فرائض فلا تضيِّعوها، وحَدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمةً بكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها» (^٢).
فيكون الأصل فيما سَكَتَ اللَّهُ عنه الحِلَّ إِلا في العبادات،
_________________
(١) وابن أبي حاتم الرازي في تفسيره [ابن كثير (مريم الآية: ٦٤)]، والحاكم (٢/ ٣٧٥)، والبيهقي (١٠/ ١٢) بأسانيدهم عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء به مرفوعًا. قال البزار: «إِسناده صالح». قال الحاكم: «صحيح الإِسناد»، ووافقه الذهبي. قال الهيثمي: «إِسناده حسن ورجاله موثَّقُون». «المجمع» (١/ ١٧١). وانظر: «الفتح» شرح حديث رقم (٧٢٨٩).
(٢) رواه الطبراني في «الكبير» (٢٢/رقم ٥٨٩)، والدارقطني (٤/ ١٨٤)، والحاكم (٤/ ١١٥) وعنه البيهقي (١٠/ ١٢) كلهم من طريق مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني به مرفوعًا، وأعله أبو مسهر الدمشقي وأبو نعيم وابن رجب بعدم سماع مكحول من أبي ثعلبة الخشني. وانظر: «جامع العلوم والحكم» الحديث الثلاثون.
[ ١ / ٦٩ ]
فالأصل فيها التَّحريم؛ لأن العبادة طريقٌ موصلٌ إلى الله ﷿، فإذا لم نعلم أن الله وضعه طريقًا إليه حَرُمَ علينا أن نتَّخذه طريقًا، وقد دلَّت الآيات والأحاديث على
أن العبادات موقوفةٌ على الشَّرع.
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فدلَّ على أن ما يَدينُ العبد به ربَّه لا بُدَّ أن يكون الله أَذِنَ به.
وقال ﷺ: «إيَّاكم ومحدثات الأمور، فإِن كُلَّ بدعةٍ ضلالة» (^١).
ولا فرق في إِباحة الآنية بين أن تكونَ الأواني صغيرةً أو كبيرةً، فالصَّغير والكبير مباح، قال تعالى عن نبيه سليمان ﷺ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ
مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣].
الجَفْنَة: تشبه الصَّحفة. وقوله: «وقُدورٍ راسيات» لا تُحْمل لأنَّها كبيرة، راسية لكثرة ما يُطبخ فيها، فتبقى على مكانها، ولكن إذا خرج ذلك إلى حدِّ الإِسراف صار
محرَّمًا لغيره، وهو الإِسراف
_________________
(١) رواه أحمد (٤/ ١٢٦)، وأبو داود، كتاب السنَّة: باب في لزوم السنَّة، رقم (٤٦٠٧)، والترمذي، كتاب العلم: باب ما جاء في الأخذ بالسُّنَّة واجتناب البدع رقم (٢٦٧٦)، وابن ماجه، المقدمة: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين رقم (٤٢)، وغيرهم كثير؛ من حديث العرباض بن سارية. والحديث صَحَّحه جمعٌ من أهل العلم منهم: ابن تيمية، وابن القيم، وأبو نعيمٍ، وأبو العباس الدغولي وغيرهم. انظر: «الاقتضاء» ص (٢٦٧)، «إِعلام الموقعين» (٤/ ١٨٠)، «إِجمال الإِصابة» للعلائي (٤٩).
[ ١ / ٧٠ ]
لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].