قوله: «بَنَى على اليقين»، اليقين: هو ما لا شَك فيه، والدَّليل على ذلك من الأثر حديث عبد الله بن زيد ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ شُكِيَ إِليه الرَّجل يجدُ الشيءَ في بطنه؛ فيُشكل عليه، هل خرج منه شيءٌ أم لا؟ فقال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجدَ ريحًا» (^١). فأمرَ النبيُّ ﷺ بالبناء على الأصل، وهو بقاء
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب من لم يرَ الوضوء إِلا من المخرجين، رقم (١٧٧)، ومسلم، كتاب الحيض: باب الدليل على أن من تيقَّن الطهارة ثم شكَّ في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك، رقم (٣٦١).
[ ١ / ٥٩ ]
الطَّهارة. ولما قال الصَّحابة ﵃: يا رسول الله، إِنَّ قومًا يأتونا باللَّحم؛ لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال النبيُّ ﷺ: «سَمُّوا أنتم وكُلُوه».
قالت عائشة ﵂ وهي راويةُ الحديث: وكان القوم حديثي عهد بالكفر (^١)، مع أنَّه يغلب على الظنِّ هنا أنَّهم لم يذكروا اسمَ الله، لحداثة عهدهم بالكُفر، ومع هذا لم يأمرْهم النبيُّ ﷺ بالسؤال ولا البحث.
ويُروى أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ مرَّ هو وعمرو بن العاص بصاحب حوض، فسأل عمرو بن العاص صاحبَ الحوض: هل هذا نجس أم لا؟ فقال له عمر: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا (^٢).
وفي رواية: أن الذي أصابهم ماء ميزاب، فقال عمر: يا صاحب الميزاب، لا تخبرنا.
ومن النَّظر: أنَّ الأصل بقاء الشيء على ما كان حتى يتبيَّن التغيُّر، وبناءً عليه: إِذا مرَّ شخص تحت ميزاب وأصابه منه ماء، فقال: لا أدري هل هذا من المراحيض، أم من غسيل الثِّياب، وهل هو من غسيل ثياب نجسة، أم غسيل ثياب طاهرة؟ فنقول:
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد: باب ذبيحة الأعراب ونحوهم، رقم (٥٥٠٧).
(٢) رواه مالك في «الموطأ»، كتاب الطهارة: الطهور للوضوء، رقم (٤٧)، وعبد الرزاق (٢٥٠) عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر بن الخطاب .. فذكره. ويحيى لم يسمع من عمر كما قال ابن معين. انظر: «تهذيب الكمال» (٣١/ ٤٣٧) فالأثر منقطع.
[ ١ / ٦٠ ]
الأصل الطَّهارة حتى ولو كان لون الماء متغيِّرًا. قالوا: ولا يجب عليه أن يشمَّه أو يتفقَّده، وهذا من سعة رحمة الله.