قوله: «مختصرٌ»، مُفْتَعَلٌ فهو اسم مفعول.
والمختصر: قال العلماء: هو ما قلَّ لفظُه وكثُرَ معناه (^١).
قوله: «في الفقه»، الفقة لغةً: الفهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقوله: ﴿قَالُوا ياشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]. بمعنى لا نفهم.
وفي الشَّرع: معرفة أحكام الله العَقَديَّة والعَمَليَّة.
فالفقه في الشَّرع ليس خاصًا بأفعال المكلَّفين، أو بالأحكام العمليَّة، بل يشمل حتى الأحكام العَقَديَّة، حتى إن بعضَ أهل العلم يقولون: إِن عِلمَ العقيدة هو الفقهُ الأكبرُ (^٢). وهذا حَقٌّ، لأنك لا تتعبَّد للمعبود إلا بعد معرفة توحيده بربوبيّته وألوهيّتِه وأسمائه وصفاته، وإلا فكيف تتعبَّد لمجهول؟!
ولذلك كان الأساسُ الأولُ هو التَّوحيدَ، وحُقَّ أن يُسمَّى بالفقه الأكبر.
لكنَّ مرادَ المؤلِّف هنا: الفقه الاصطلاحي وهو: معرفة الأحكام العمليَّة بأدلتها التفصيلِيَّة.
_________________
(١) انظر: «الروض المربع» (١/ ١٠)، «المصباح المنير» (١/ ١٧٠).
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٣٠٧).
[ ١ / ١٥ ]
شرح التَّعريف:
قولنا: «معرفة» ولم نقل: علم؛ لأن الفقه إما علمٌ وإما ظنٌّ. وليس كلُّ مسائل الفقه علميَّة قطعًا، ففيه كثيرٌ من المسائل الظنِّيَّة، وهذا كثيرٌ في المسائل الاجتهادية التي لا يصلُ فيها الإِنسان إلى درجة اليقين، لكن لا يُكلِّفُ اللَّهُ نفسًا إلا وسعها.
فقولنا: «معرفةُ» لأجل أن يتناول العلم والظنَّ.
وقولنا: «العمليَّة» احترازًا من الأحكام العَقَديَّة، فلا تدخل في اسم الفقه في الاصطلاح، وإن كانت تدخل في الشرع.
وقولنا: «بأدلتها التفصيليَّة» احترازًا من أصول الفقه، لأن البحث في أصول الفقه في أدلة الفقه الإجمالية، وربما تأتي بمسألة تفصيليَّة للتمثيل فقط.
وعُلِمَ من قولنا: «بأدلَّتها» أن المقلِّدَ ليس فقيهًا؛ لأنه لا يعرف الأحكام بأدلَّتها، غايةُ ما هنالك أن يكرِّرَها كما في الكتاب فقط. وقد نقل ابنُ عبد البَرِّ الإجماعَ على ذلك (^١).
وبهذا نعرف أهميَّة معرفة الدَّليل، وأن طالب العلم يجب عليه أن يتلقَّى المسائل بدلائلها، وهذا هو الذي يُنجيه عند الله ﷾؛ لأن الله سيقول له يوم القيامة: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، ولن يقول: ماذا أجبتم المؤلِّفَ الفلاني،
_________________
(١) انظر: «جامع بيان العلم وفضله» ص (٤٤٩، ٤٥٢).
[ ١ / ١٦ ]
فإذًا لا بُدَّ أن نعرفَ ماذا قالت الرُّسل لنعمل به.
ولكن التَّقليد عند الضَّرورة جائزٌ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، فإِذا كُنَّا لا نستطيع أن نعرف الحقَّ بدليله فلا بُدَّ أن نسأل؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن التَّقليد بمنزلة أكل الميتة، فإذا استطاع أن يستخرج الدَّليلَ بنفسه فلا يحلُّ له التقليد (^١).