قوله: «في طهارة مستحبَّة»، أي: مشروعة من غير حَدَث.
قوله: «كتجديد وضوء»، تجديد الوُضُوء سُنَّة، فلو صَلَّى إنسان بوُضُوئه الأول ثم دخل وقت الصَّلاة الأُخرى، فإنه يُسنُّ أن يجدِّدَ الوُضُوء - وإِن كان على طهارة - فهذا الماء المستعمل في هذه الطَّهارة طَهُور لكنه يُكره.
يكون طَهُورًا؛ لأنه لم يحصُلْ ما ينقله عن الطَّهورية، ويكون مكروهًا للخلاف في سلبه الطَّهورية؛ لأن بعض العلماء قال: لو استُعْمل في طهارة مستحبَّة فإِنه يكون طاهرًا غير مطهِّر (^١). وقد سبق الكلام على التَّعليل بالخلاف.
قوله: «وغُسْل جُمُعَة»، هذا على قول الجمهور أن غُسْل الجمعة سُنَّةٌ (^٢)، فإذا استُعْمِلَ الماء في غُسْلِ الجمعة فإِنه يكون طَهُورًا مع الكراهة.
قوله: «وغَسْلة ثانية وثالثة كُرِهَ»، الغَسْلَةُ الثانية والثالثة في الوُضُوء ليست بواجبة، والدَّليل قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]
_________________
(١) انظر: «الإِنصاف» (١/ ٦٦).
(٢) انظر: «المغني» (٣/ ٢٢٤).
[ ١ / ٣٦ ]
والغُسْل يصدق بواحدة، ولأن النبيَّ ﷺ ثبت أنه توضَّأ مرَّةً مرَّةً (^١). فالثانية، والثالثة طهارة مستحبَّة، فالماء المستعمل فيهما يكون طَهُورًا مع الكراهة، والعِلَّةُ هي: الخلاف في سلبه الطَّهورية (^٢).
والصَّواب في هذه المسائل كلِّها: أنه لا يُكره؛ لأن الكراهة حكمٌ شرعيٌّ يفتقر إِلى دليل، وكيف نقول لعباد الله: إنهُ يكره لكم أن تستعملوا هذا الماء. وليس عندنا دليلٌ من الشَّرع.
ولذلك يجب أن نعرف أن منع العباد مما لم يدلَّ الشرعُ على منعه كالتَّرخيص لهم فيما دَلَّ الشَّرع على منعه؛ لأن الله جعلهما سواء فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦]، بل قد يقول قائل: إن تحريم الحلال أشد من تحليل الحرام؛ لأن الأصلَ الحِلُّ، والله ﷿ يحبُّ التَّيسير لعباده.