قوله: «في غير بُنْيَان»، هذا استثناءٌ، يعني: إِذا كان في بنيان فيجوز الاستقبال والاستدبار؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «رَقِيْتُ يومًا على بيت أختي حفصة، فرأيت النبيَّ ﷺ قاعدًا لحاجته مستقبلَ الشَّام مستدبر الكعبة» (^٢)، وهذا المشهور من المذهب، بل قالوا ﵏: يكفي الحائل وإِن لم يكن بُنيانًا، كما لو اتَّجه إلى كَوْمَةٍ من رمل أقامها وكان وراءها، أو إِلى شجرة ما أشبه ذلك (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام وأهل المشرق، رقم (٣٩٤)، ومسلم كتاب الطهارة: باب الاستطابة، رقم (٢٦٤).
(٢) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب التبرز في البيوت، رقم (١٤٨)، وانظر رقم (١٤٥)، (١٤٩)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب الاستطابة، رقم (٢٦٦).
(٣) انظر: «شرح منتهى الإِرادات» (١/ ٣٣).
[ ١ / ١٢٤ ]
وقال بعض العلماء: لا يجوز استقبال القبلة، ولا استدبارها بكلِّ حال في البُنيان وغيره، وهو رواية عن أحمد (^١)، قالوا: وهذا مقتضى حديث أبي أيُّوب استدلالًا وعملًا.
أما الاستدلال: فبقولِ الرَّسولِ ﷺ.
وأما العمل: فبفعل أبي أيُّوب حين قدم الشَّام فوجد مراحيض بُنيت نحو الكعبة قال: «فَنَنْحَرِفُ عنها ونستغفر الله»، وهذا يدلّ على أنه لم يرَ هذا كافيًا، وهذا اختيار شيخ الإِسلام (^٢).
وأجابوا عن حديث ابن عمر بما يلي:
١ - أنه محمولٌ على ما قبل النَّهي، والنَّهي يُرَجَّحُ عليه؛ لأن النَّهيَ ناقل عن الأصل، وهو الجواز، والنَّاقل عن الأصل أوْلَى.
ذ ٢ - أن حديث أبي أيُّوب قول، وحديث ابن عمر فعل، والفعل لا يُعارض القولَ؛ لأن فعله ﷺ يحتمل الخصوصية، أو النِّسيان، أو عُذْرًا آخر، لكن هذا الاحتمال مردودٌ؛ لأن الأصل الاقتداء والتأسِّي به ﷺ. ثم إِنَّه لا توجد هنا معارضة تامَّة بين القول والفعل، ولو كان كذلك لكان القول بالخُصوصية مُتَّجهًا، بل يمكن حمل حديث أبي أيُّوب على ما إذا لم يكن في البُنيان، وحديث ابن عمر في الاستدبار على ما إذا كانَ في البنيان.
والرَّاجح: أنه يجوز في البُنيان استدبارُ القِبْلة دون استقبالِها؛ لأن النهيَ عن الاستقبال محفوظٌ ليس فيه تفصيل ولا
_________________
(١) انظر: «الإِنصاف» (١/ ٢٠٤).
(٢) انظر: «الاختيارات» ص (٨).
[ ١ / ١٢٥ ]
تخصيص، والنهيَ عن الاستدبار خُصِّصَ بما إِذا كان في البُنيان؛ لفعل النبيِّ ﷺ.
وأيضًا: الاستدبار أهونُ من الاستقبال؛ ولهذا جاء - والله أعلم - التخفيفُ فيه فيما إِذا كان الإِنسان في البُنْيان.
والأفضل: أن لا يستدبرها إِن أمكن.
واستقبال القبلة قد يكون حرامًا كما هنا، وقد يكون واجبًا كما في الصَّلاة، وقد يكون مكروهًا كما في خطبة الجمعة، فإنه يكره للخطيب أن يستقبل القِبْلة ويجعل النَّاس وراءه، وقد يكون مستحبًّا كالدُّعاء والوُضُوء حتى قال بعض العلماء: إِن كُلَّ طاعةٍ الأفضلُ فيها استقبالُ القبلة إلا بدليل (^١). ولكن في هذا نظر! لأنَّنا إِذا جعلنا هذه قاعدةً، فإِنَّ هذا خلاف المعروف من أنَّ الأصل في العبادات الحظر.