قوله: «كُلّ وقْتٍ»، أي: بالليل والنَّهار، والدَّليل قول النبيِّ ﷺ في حديث عائشة: «السِّواك مطهرة للفم؛ مرضاة للرَّبِّ» (^٢)، فأطلق النبي ﷺ ولم يقيِّد في وقت دون آخر.
وفي هذا فائدتان عظيمتان:
١ - دُنيويَّة، كونُه مطهرةً للفم.
٢ - أُخرويَّة، كونُه مرضاةً للرَّبِّ.
وكلُّ هذا يحصُل بفعل يسير فيحصُل على أجر عظيم، وكثير
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجمعة: باب السواك يوم الجمعة، رقم (٨٨٧)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب السواك، رقم (٢٥٢) واللفظ له من حديث أبي هريرة.
(٢) رواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، كتاب الصوم: باب السواك الرَّطب واليابس للصائم، ترجمة حديث، رقم (١٩٣٤).
[ ١ / ١٤٧ ]
من النَّاس يمرُّ عليه الشَّهران والثَّلاثة ولم يتسوَّك إِما جهلًا، أو تهاونًا.
قوله: «لغير صائمٍ بعد الزَّوال»، أي: فلا يُسَنُّ، وهذا يعمُّ صيام الفرض والنَّفْل.
وقوله: «بعد الزَّوال»، أي: زوال الشَّمس، ويكونُ زوالُها إِذا مالت إلى جهة المغرب؛ لأنها أولُ ما تطلع من ناحية الشَّرق، فإِذا توسطت السَّماء ثم زالت عنه فقد زالت.
قال أهل العلم ﵏: علامة الزَّوال أن تنصب شاخصًا؛ أي: شيئًا مرتفعًا، وتَنْظُرَ إِليه فما دام ظِلُّه ينقص فالشَّمس لم تَزُلْ، فإِذا بدأ يزيد ولو شعرة فقد زالت (^١).
والمشهور من المذهب كراهة التَّسوُّك بعد الزَّوال للصَّائم؛ والدَّليل:
١ - قوله ﷺ: «إذا صُمْتُم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعَشيِّ» (^٢)، والعَشِيُّ بعد الزَّوال.
٢ - قوله ﷺ: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائم أطيبُ عند الله يوم القيامة من ريح المسك» (^٣). والخُلوف - بضم الخاء - هو الرَّائحة الكريهة التي تكون بالفم عند خلوِّ المعدة من الطَّعام، ولا يظهر
_________________
(١) انظر: «حاشية العنقري على الروض المربع» (١/ ١٣٣).
(٢) رواه الدارقطني (٢/ ٢٠٤) رقم (٢٣٤٧)، ومن طريقه البيهقي (٤/ ٢٧٤)، من حديث علي، والحديث ضعّفه البيهقي، وابن حجر. انظر: «التلخيص» رقم (٦٤).
(٣) رواه البخاري، كتاب الصوم: باب فضل الصوم، رقم (١٨٩٤)، ومسلم، كتاب الصيام: باب فضل الصيام رقم (١١٥١) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ١٤٨ ]
في الغالب إلاَّ في آخر النَّهار، لكن لما كان ناشئًا عن طاعة الله صار أطيبَ عند الله من ريح المسك، وإِذا كان أطيبَ عند الله من ريح المسك فإِنَّه لا ينبغي أن يُزالَ، بدليل أنَّ دمَ الشَّهيد الذي عليه لا يُزالُ، بل يجب أن يبقى عليه وأن يُدفن في ثيابه وبدمائه، كما أمر النبيُّ ﷺ بذلك في شُهداء أحد (^١)، قالوا: فكلُّ ما كان ناشئًا عن طاعة الله فإِنه لا ينبغي إِزالتُه، ولذلك كُرِه للصَّائم التَّسوُّك بعد الزَّوال، وأما قبل الزَّوال فقالوا: يُستحب بيابس ويُباح برطب. فجعلوا السِّواك للصَّائم على ثلاثة أوجه: مباح برطب قبل الزَّوال، ومسنون بيابس قبل الزَّوال، ومكروه بعد الزَّوال مطلقًا (^٢).
واستدلُّوا على أنَّه مسنون للصَّائم قبل الزَّوال: بعموم الأدلة.
وعلى أنَّه مباح برطْبٍ: أنَّه لرطُوبته يُخشى أن يتسرَّب منه طعمٌ يصل إلى الحلق فيُخِلَّ بصيامه؛ ولهذا قال النبيُّ ﷺ للقيط بن صَبِرة: «وبالغْ في الاستنشاقِ إِلا أن تكونَ صائمًا» (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجنائز: باب الصلاة على الشهيد، رقم (١٣٤٣)، من حديث جابر بن عبد الله.
(٢) انظر: «المغني» (١/ ١٣٨)، «شرح منتهى الإِرادات» (١/ ٣٨).
(٣) رواه أحمد (٤/ ٣٣، ٢١١)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب في الاستنثار، رقم (١٤٢)، والنسائي كتاب الطهارة: باب المبالغة في الاستنشاق، (١/ ٦٧) رقم (٨٧)، والترمذي، كتاب الصوم: باب ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم، رقم (٧٨٨)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب المبالغة في الاستنشاق والاستنثار، رقم (٤٠٧). وصَحَّحه جمعٌ منهم: الترمذي، وابن خزيمة، والحاكم، والنووي وغيرهم. انظر: «الخلاصة» رقم (١٤٩)، «شرح صحيح مسلم» للنووي رقم (٢٢٦)، «المحرر» (١/ ١٠٣) رقم (٤٥)، «التلخيص» رقم (٨٠).
[ ١ / ١٤٩ ]
وأما كونه مكروهًا بعد الزَّوال فاستدلُّوا: بالأثر والنَّظر السابقين؛ الدَّالين على الكراهة.
وقال بعض العلماء: إِنه لا يُكرَهُ للصَّائم مطلقًا، بل هو سُنَّةٌ في حَقِّه كغيره (^١).
قال في «الإِقناع» - وهو من كتب الحنابلة المتأخِّرين؛ وهو غالبًا على المذهب ـ: «وهو أظهر دليلًا» (^٢). وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^٣).
واستدلُّوا: بعموم الأدلة الدَّالَّة على سُنِّيَّة السِّواك؛ كحديث عائشة ﵂ السابق (^٤)، فإن النبيَّ ﷺ لم يستثنِ شيئًا، والعام يجب إِبقاؤه على عمومه، إلا أن يَرِدَ مخصِّص له، وليس لهذا العموم مخصِّصٌ قائم.
وأما حديث عليٍّ فضعيف (^٥) لا يَقْوَى على تخصيص العموم؛ لأنَّ الضَّعيف ليس بحُجَّة، فلا يَقْوَى على إِثبات الحكم، وتخصيص العموم حكم؛ لأنه إِخراج لهذا المخصَّصِ عن الحكم العام؛ وإِثبات حكم خاصٍّ به، فيحتاج إلى ثبوت الدَّليل المخصِّصِ، وإِلا فلا يُقْبَلُ.
وأما التَّعليل فعليل من وجوه:
الوجه الأول: أن الذين قتلوا في سبيل الله، أُمِرْنا بأن نُبقيَ
_________________
(١) انظر: «الإِنصاف» (١/ ٢٤٢).
(٢) انظر: «الإِقناع» (١/ ٣١).
(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٦٦)، «الاختيارات» ص (١٠).
(٤) تقدم تخريجه، ص (١٤٧).
(٥) تقدم تخريجه ص (١٤٨).
[ ١ / ١٥٠ ]
دماءهم؛ لأنهم يُبْعثونَ يوم القيامة، الجرح يَثْعُبُ دمًا، اللونُ لونُ الدَّمِ، والرِّيحُ ريحُ المسكِ، فلا ينبغي أن يُزالَ هذا الشَّيءُ الذي سيوجدُ يوم القيامة.
ونظير هذا قوله ﷺ في الذي مات في عرفة «كَفِّنُوه في ثَوبيه» (^١)، ولهذا ينبغي فيمن مات محرمًا أن لا نطلب له خِرْقَة جديدة، بل نكفِّنُه في ثياب إحرامه التي عليه؛ لأنه كما قال النبيُّ ﷺ: «يُبعث يوم القيامة ملبِّيًا» (٢٦٠).
الوجه الثاني: أنَّ ربط الحُكم بالزَّوال مُنتقضٌ؛ لأنه قد تحصُل هذه الرَّائحة قبل الزَّوال؛ لأن سبَبَها خلوُّ المعدة من الطَّعام، وإِذا لم يتسحَّر الإِنسان آخر الليل فإِنَّ معدته ستخلو مبكِّرة؛ وهم لا يقولون: متى وُجِدت الرَّائحة الكريهة كُرِه السِّواك؟!
الوجه الثالث: أنَّ من النَّاس من لا توجد عنده هذه الرَّائحة الكريهة، إِما لصفاء معدته، أو لأنَّه معدته لا تهضم بسرعة، فتكون هذه العِلَّة منتقضة، وإِذا انتقضت العِلَّة انتقض المعلول؛ لأن العِلَّة أصلٌ والمعلول فرعٌ.
والرَّاجح أن السِّواك سُنَّةٌ حتى للصَّائم قبل الزَّوال وبعده، ويؤيِّده حديث عامر بن ربيعة - والذي ذَكَره البخاريُّ تعليقًا ـ: «رأيت النبيَّ ﷺ يَسْتَاك وهو صائمٌ، ما لا أُحصي أو أَعُدُّ» (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب جزاء الصيد: باب سُنَّة المحرم إِذا مات، رقم (١٨٥١) واللفظ له، ومسلم، كتاب الحج: باب ما يُفعل بالمحرم إِذا مات، رقم (١٢٠٦) من حديث عبد الله بن عباس ﵄.
(٢) رواه البخاري تعليقًا بصيغة التمريض، كتاب الصوم: باب السّواك الرطب واليابس للصائم، انظر رقم (١٩٣٤). ووصله أحمد (٣/ ٤٤٥)، وأبو داود، كتاب الصوم: باب السواك للصائم، رقم (٢٣٦٤)، والترمذي، كتاب الصوم: باب ما جاء في السواك للصائم، رقم (٧٢٥) وقال: حديث حسن، وابن خزيمة رقم (٢٠٠٧). ومداره على عاصم بن عبيد الله، قال الحافظ فيه: ضعيف. انظر: «التقريب» (٣٠٨٢).
[ ١ / ١٥١ ]