قوله: «من حيوانٍ طاهرٍ في الحياة»، أفادنا المؤلِّفُ، أن الجلد الذي يُباحُ استعماله بعد الدَّبغ في اليابس هو ما كان من حيوان طاهر في الحياة.
والطاهر في الحياة ما يلي:
أولًا: كُلُّ مأكول كالإبل، والبقر، والغنم، والضَّبُعِ، ونحو ذلك.
ثانيًا: كلُّ حيوان من الهِرِّ فأقلُّ خِلْقة - وهذا على المذهب - كالهِرَّة لقوله ﷺ: «إنها ليست بنَجَسٍ، إِنَّها من الطوَّافين عليكم» (^٢).
ثالثًا: كُلُّ شيء ليس له نَفْسٌ سائلة، يعني إِذا ذُبِحَ، أو قُتل، ليس له دم يسيل.
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص (٨٤).
(٢) رواه أحمد (٥/ ٢٩٦، ٣٠٣)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب سؤر الهرة، رقم (٧٥)، والنسائي، كتاب الطهارة: باب سؤر الهرة، (١/ ٥٤، ٥٥)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء في سؤر الهرة، رقم (٩٢)، من حديث أبي قتادة. وقد صحَّح هذا الحديث جمعٌ من الأئمة منهم: الترمذي، وابن خزيمة، والعقيلي، وابن حبان، والحاكم، وابن تيمية، وغيرهم. قال البخاري: «جوَّد مالك بن أنس هذا الحديث، وروايته أصحّ من رواية غيره». قال الدارقطني: «رواته ثقات معروفون». انظر: «المحرر» لابن عبد الهادي رقم (١٤)، «التلخيص الحبير» رقم (٣٦).
[ ١ / ٩٠ ]
رابعًا: الآدمي، ولكنه هنا غير وارد؛ لأن استعمال جلده محرَّم، لا لنجاسته، ولكن لحرمته.
فلو دَبغ إِنسان جلد فأرة، أو هِرَّة فإِنه لا يَطْهُرُ على المذهب، لكن يُباح استعماله في يابس.
وقيل: يَطْهُرُ، ويُباح استعمالُه في اليابسات والمائعات (^١)، وعلى هذا يصحُّ أن نجعلَ جلدَ الهِرَّة سِقاء صغيرًا، إِذا دبغناه لأنه طَهُرَ.
وقيل: إن جلد الميتة لا يطهر بالدِّباغ؛ إِلا أن تكون الميتةُ مما تُحِلُّه الذَّكاة (^٢)، كالإبل والبقر والغنم ونحوها، وأما ما لا تحلُّه الذَّكاة فإنه لا يطهر، وهذا القول هو
الرَّاجح؛ وهو اختيار شيخنا عبد الرحمن السَّعدي ﵀ (^٣)، وعلى هذا فجلد الهِرَّة وما دونها في الخلقة لا يطهر بالدَّبغ.
فمناط الحُكم على المذهب هو طهارة الحيوان في حال الحياة، فما كان طاهرًا فإنه يُباحُ استعمالُ جلد ميتته بعد الدَّبغ في يابس، ولا يطْهُر. وعلى القول الثاني:
يطْهُر مطلقًا، وعلى القول الثالث: يطْهُر إذا كانت الميتة مما تُحِلُّه الذَّكاة.
والرَّاجح: القول الثالث بدليل أنه جاء في بعض ألفاظ الحديث: «دباغُها ذكاتها» (^٤). فعبَّر بالذكاة، ومعلوم أن الذَّكاة لا
_________________
(١) انظر: «الإِنصاف» (١/ ١٦٤).
(٢) انظر: «الإِنصاف» (١/ ١٦٣).
(٣) انظر: «المختارات الجلية» ص (١١).
(٤) رواه أحمد (٣/ ٤٧٦)، والنسائي، كتاب الفرع والعتيرة: باب جلود الميتة، (٧/ ١٧٣، ١٧٤)، من حديث سلمة بن المُحبَّق. قال ابن حجر: «إِسناده صحيح». «التلخيص الحبير» رقم (٤٤). وله شاهد من حديث عائشة بلفظ: «دباغ الميت ذكاته» رواه النسائي، كتاب الفرع والعتيرة: باب جلود الميتة (٧/ ١٧٤). قال ابن حجر: «هذا حديث حسن». «موافقة الخُبر الخبر» (٢/ ١٢٩).
[ ١ / ٩١ ]
تُطَهِّر إِلا ما يُباح أكله، فلو أنك ذبحت حمارًا، وذكرت اسم الله عليه، وأنهر الدَّم، فإِنه لا يُسمَّى ذكاة، وعلى هذا نقول: جلد ما يحرم أكله، ولو كان طاهرًا في الحياة،
لا يطهر بالدِّباغ، ووجهه: أنَّ الحيوان الطَّاهر في الحياة إِنما جُعِلَ طاهرًا لمشقَّة التحرز منه لقوله ﷺ: «إنها من الطَّوافين عليكم»، وهذه العِلَّة
تنتفي بالموت، وعلى هذا يعود إلى أصله وهو النَّجاسة، فلا يَطْهُر بالدِّباغ.
فيكون القول الرَّاجح: أن كلَّ حيوان مات وهو مما يُؤكل؛ فإن جلده يَطْهُر بالدِّباغ، وهذا أحد قولي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وله قول آخر يوافق قول من قال:
إن ما كان طاهرًا في الحياة فإِنّ جلده يطهر بالدَّبغ (^١).