قوله: «وإِن اشتبه طَهور بنجس حَرُمَ استعْمَالُهُمَا»، يعني: إِن اشتبه ماء طهور بماء نجس حرم استعْمَالُهُمَا، لأن اجتناب النَّجس واجب، ولا يتمُّ إِلا باجتنابهما، وما لا يتمُّ الواجب إِلا به فهو واجب، وهذا دليل نظري.
وربما يُستدلُّ عليه بأن النبيَّ ﷺ قال في الرَّجُل يرمي صيدًا فيقع في الماء: «إن وجدته غريقًا في الماء فلا تأكلْ، فإِنك لا تدري، الماءُ قَتَله أم سهمُك؟ (^١)».
وقال: «إذا وجدت مع كلبك كلبًا غيره فلا تأكل، فإِنَّك لا تدري أيُّهما قتله» (^٢)؟.
فأمر باجتنابه، لأنّه لا يُدرى هل هو من الحلال أم الحرام؟
قوله: «ولم يتحرَّ»، أي: لا ينظر أيُّهما الطَّهور من النَّجس، وعلى هذا فيتجنَّبُهُما حتى ولو مع وجود قرائن، هذا المشهور من المذهب.
وقال الشَّافعي ﵀: يتحرَّى (^٣). وهو الصَّواب، وهو
_________________
(١) واللفظ له عن عدي بن حاتم.
(٢) انظر: «المجموع شرح المهذب» (١/ ١٨٠).
[ ١ / ٦١ ]
القول الثَّاني في المذهب (^١) لقوله ﷺ في حديث ابن مسعود ﵁ في مسألة الشكِّ في الصَّلاة: «وإذا شَكَّ أحدُكُم في صلاته فليتحرَّ الصَّوابَ ثم ليَبْنِ عليه» (^٢)، فهذا دليل أثريٌّ في ثبوت التَّحرِّي في المشتبهات.
والدَّليل النَّظري: أنَّ من القواعد المقرَّرة عند أهل العلم أنَّه إذا تعذَّر اليقين رُجع إِلى غلبة الظنِّ، وهنا تعذَّر اليقينُ فنرجع إِلى غلبة الظنِّ وهو التحرِّي. هذا إن كان هناك قرائن تدلُّ على أن هذا هو الطَّهور وهذا هو النَّجس، لأن المحلَّ حينئذ قابل للتحرِّي بسبب القرائن، وأما إذا لم يكن هناك قرائن؛ مثل أن يكون الإِناءان سواء في النَّوع واللون فهل يمكن التَّحرِّي؟
قال بعض العلماء: إِذا اطمأنت نفسُه إِلى أحدهما أخذ به (^٣)، وقاسوه على ما إِذا اشتبهت القِبْلة على الإِنسان؛ ونظر إلى الأدلَّة فلم يجد شيئًا، فقالوا: يصلِّي إِلى الجهة التي تطمئنُّ إِليها نفسُه. فهنا أيضًا يستعمل ما اطمأنت إِليه نفسه، ولا شكَّ أن استعمال أحد الماءين في هذه الحال فيه شيء من الضَّعف؛ لكنَّه خير من العدول إلى التيمُّم.