قوله: «وتُباح آنية الكفار»، قوله: «آنية» بالرَّفع على أنها نائب فاعل.
قوله: «ولو لم تحلَّ ذبائحهم»، بالرَّفع على أنها فاعل «تحلَّ».
قوله: «وثيابهم إِن جُهل حالها»، بالرَّفع على أنها معطوفة على «آنية» وكلام المؤلِّف ﵀ يوهم أنها معطوفة على «ذبائحهم».
ولو قال: وتُباحُ آنيةُ الكفَّار وثيابُهم إِن جُهِلَ حالها، ولو لم تحلَّ ذبائحهم. لسَلِمَ من هذا الإيهام.
[ ١ / ٨٢ ]
وقوله: «الكفَّار» يشمل الكافر الأصلي والمرتد.
وقوله: «ولو لم تحِلَّ ذبائحُهُم» إِشارة خلاف (^١). والكفَّار الذين تَحِلُّ ذبائحُهم هم اليهود والنَّصارى فقط. لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ
وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]. والمراد بطعامهم ذبائحهم كما فسَّر ذلك ابن عباس ﵄ (^٢)، وليس المراد خبزهم وشعيرهم وما أشبه ذلك؛ لأن
ذلك حلال لنا منهم ومن غيرهم، ولا تحلُّ ذبائح المجوس، والدَّهريِّين، والوثنيِّين وغيرهم من الكفار، أما آنيتهم فتحلُّ. فإن قال قائل: ما هو الدَّليل؟
قلنا: عموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ثم إن أهل الكتاب إذا أباح الله لنا طعامهم، فمن المعلوم أنهم يأتون به إلينا
أحيانًا مطبوخًا بأوانيهم، ثم إِنَّه ثبت أن النبي ﷺ دعاه غلام يهوديٌّ على خبز شعير، وإِهالة سَنِخَة (^٣) فأكل منها. وكذلك أكل من الشَّاة
المسمومة التي أُهديت له ﷺ في خيبر (^٤). وثبت أنَّه ﷺ توضَّأ وأصحابه من مزادة امرأة
_________________
(١) انظر: «الإِنصاف» (١/ ١٥٦).
(٢) رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد: باب ذبائح أهل الكتاب، رقم (٥٥٠٨).
(٣) رواه أحمد (٣/ ٢١٠، ٢٧٠)، إِلا أن الحافظ ابن حجر قد نقل هذا الحديث في «أطراف المسند» (١/ ٤٧٢) بلفظ: «أن خيَّاطًا» بدل «يهوديًا»، وهو الموافق لبقية روايات المسند (٣/ ٢٥٢، ٢٨٩ - ٢٩٠)، وهو الموافق أيضًا لرواية البخاري رقم (٥٣٧٩) غير أنه لم يذكر خبز الشعير والإِهالة السَّنخة. ملاحظة: الإِهالة: الدسم، والسّنخة: المتغيرة. «غريب الحديث» (١/ ٥٠٣).
(٤) رواه البخاري، كتاب الطب: باب ما يذكر في سُمِّ النبي ﷺ، رقم (٥٧٧٧) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٨٣ ]
مشركة (^١)، كلُّ هذا يدلُّ على أن ما باشر الكُفَّار، فهو طاهر.
وأما حديث أبي ثعلبة الخشني أن الرَّسول ﷺ قال: «لا تأكلوا فيها، إلا ألا تجدوا غيرها، فاغسلوها وكلوا فيها» (^٢).
فهذا يدلُّ على أن الأَوْلَى التنزُّه، ولكن كثيرًا من أهل العلم حملوا هذا الحديث على أناس عُرفوا بمباشرة النَّجاسات من أكل الخنزير، ونحوه، فقالوا: إن النبيَّ صلّى
الله عليه وسلّم منع من الأكل في آنيتهم إِلا إذا لم نجد غيرها، فإِننا نغسلها، ونأكل فيها (^٣). وهذا الحمل جيد، وهو مقتضى قواعد الشَّرع.
وقوله: «وثيابهم»، أي تُباحُ ثيابُهم، وهذا يشمل ما صنعوه وما لبسوه، فثيابهم التي صنعوها مباحة، ولا نقول: لعلهم نسجوها بمنْسَج نجس؛ أو صَبغُوها بصبغ
نجس؛ لأنَّ الأصل الحِلُّ والطَّهارة، وكذلك ما لبسوه من الثياب فإنَّه يُباح لنا لُبسه، ولكن من عُرِفَ منه عدم التَّوقِّي من النجاسات كالنَّصارى فالأَوْلَى التنزُّه عن ثيابهم
بناءً على ما يقتضيه حديث أبي ثعلبة الخُشني ﵁.
وقوله: «إن جُهل حالها» هذا له مفهومان:
الأول: أن تُعلَمَ طهارتُها.
_________________
(١) رواه بمعناه البخاري، كتاب التيمُّم: باب الصعيد الطيب وضوء المسلم، يكفيه من الماء، رقم (٣٤٤)، ومسلم، كتاب المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها رقم (٦٨٢) عن عمران بن حُصين.
(٢) رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد: باب ما جاء في التَّصيد، رقم (٥٤٨٨)، ومسلم، كتاب الذبائح والصيد: باب الصيد بالكلاب المعلمة، رقم (١٩٣٠).
(٣) انظر: «فتح الباري» (٩/ ٦٠٦) شرح حديث رقم (٥٤٧٨).
[ ١ / ٨٤ ]
الثاني: أن تُعلَمَ نجاستُها، فإن عُلِمَتْ نجاستُها فإِنها لا تُستعمل حتى تُغسل. وإِن عُلمتْ طهارتُها فلا إِشكال، ولكن الإِشكال فيما إِذا جُهل الحال، فهل نقول: إِن
الأصل أنهم لا يَتَوَقَّوْنَ النَّجاسات وإِنَّها حرام، أو نقول: إِن الأصل الطَّهارة حتى يتبيّن نجاستها؟ الجواب هو الأخير.