قوله: «وتُكره مباشرتها لغير حاجة»، أي: تُكره مباشرة الضَّبَّة اليسيرة، ومعنى مباشرتها: أنَّه إِذا أراد أن يشرب من هذا الإِناء المضبَّب شرب من عند الفِضَّة،
فيباشرها بشفتيه وهي حلال. والمكروه عند الفقهاء: ما نُهي عنه لا على سبيل الإِلزام بالتَّرك. وحكمه: أنه يُثابُ تاركُه امتثالًا، ولا يُعاقبُ فاعلُه، بخلاف الحرام،
فإن فاعله يستحقُّ العقوبة، وهذا في اصطلاح الفقهاء.
أما في القرآن والسُّنَّة، فإن المكروه يأتي للمحرَّم، ولهذا لما عدَّد الله تعالى أشياء محرَّمة في سورة الإسراء قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا *﴾ [الإسراء].
وقال ﷺ: «إن الله كَرِهَ لكم قيل وقال، وكَثْرَةَ السُّؤال، وإِضاعة المال» (^٢).
والكراهة: حُكم شرعيٌّ لا تثبت إِلا بدليل، فمن أثبتها بغير دليل، فإِننا نردُّ قوله، كما لو أثبت التَّحريم بلا دليل، فإِننا نردُّ قوله.
وبناءً على هذه القاعدة ننظر إلى كلام المؤلِّف، قال: «تُكره
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٨١).
(٢) رواه البخاري، كتاب في الاستقراض: باب ما يُنهى عن إِضاعة المال، رقم (٢٤٠٨)، ومسلم كتاب الأقضية: باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، رقم (١٧١٥) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٨١ ]
مباشرتها لغير حاجة»، فإن احتاج إِليها بأن كان الإِناء يتدفَّق لو لم يشرب من هذه الجهة، أو جعل الإِناء على النَّار، وصارت الجهة التي ليست فيها الضَّبَّة حارَّة لا
يستطيع أن يشرب منها، وشرب من الجهة الباردة التي فيها الضَّبَّة، فهذه حاجة فله أنْ يشربَ، ولا كراهة.
فإِن لم يحتج فكلام المؤلِّفِ صريح في أنه تُكره مباشرتها.
والصَّواب: أنه ليس بمكروه، وله مباشرتها؛ لأن الكراهة حكم شرعيٌّ يُحتاج في إِثباته إِلى دليل شرعي، وما دام ثبت بمقتضى حديث أنس المتقدّم أنها مباحة، فما
الذي يجعل مباشرتها مكروهة؟ وهل ورد أن النبيَّ ﷺ كان يتوقَّى هذه الجهة من قدحه؟
الجواب: لا، فالصَّحيح أنَّه لا كراهة؛ لأن هذا شيء مباح؛ ومباشرة المباح مباحة.