قوله: «ورَفْعُ ثَوْبِهِ قَبلَ دُنُوِّه مِن الأرض»، أي: يُكره لقاضي الحاجة أن يرفَعَ ثوبَه قبل أن يدنو من الأرض، وهذا له حالان:
الأولى: أن يكون حوله من ينظره، فرفْعُ ثوبِه هنا قبل دنوِّه من الأرض محرَّم؛ لأنَّه كَشْفٌ للعورة لمن ينظر إِليها، وقد نهى النبيُّ ﷺ عن ذلك، فقال: «لا ينظر الرَّجُل إِلى عورة الرَّجُل» (^١).
الثانية: كشفه وهو خالٍ ليس عنده أحد، فهل يُكرَهُ أم لا؟ هذا ينبني على جواز كشف العورة والإِنسان خالٍ.
وفيه ثلاثة أقوال للعلماء (^٢):
الأول: الجواز.
الثاني: الكراهة.
الثَّالث: التَّحريم، وهو المذهب. لكن اقتصروا على الكراهة هنا؛ لأنَّ كشفها هنا لسببٍ وهو قضاءُ الحاجة، لكن كرهوا أن يرفع ثوبَه قبل دُنوِّه من الأرض؛ لعدم الحاجة إلى الرَّفْع حينئذٍ، ولم يقولوا بالتَّحريم؛ لأن أصل الكشف هنا مباح.
أما إِذا أراد أن يبولَ وهو قائم، فإِنه سيرفع ثوبه وهو واقف، ولكن نقول: إن القائم دانٍ من قضاء الحاجة؛ لأنه سيقضيها وهو قائم.
والبول قائمًا جائزٌ، ولا سيَّما إِذا كان لحاجة، ولكن بشرطين:
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الحيض: باب تحريم النظر إِلى العورات، رقم (٣٣٨)، من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) انظر: «الإِنصاف» (٣/ ١٩٨).
[ ١ / ١١٥ ]
الأول: أن يأمنَ التَّلويث.
الثاني: أن يأمنَ النَّاظر.
وقد ثبت في «الصَّحيحين» من حديث حُذيفة ﵁ أن النبيَّ ﷺ أتى سُبَاطَةَ قومٍ فبالَ قائمًا (^١).
قال بعض العلماء: فعل ذلك لبيان الجواز، وقال آخرون: فعله للحاجة (^٢)؛ لأن السُّبَاطة كانت عند قوم مجتمعين ينظرون إليه، فهو إِن قعد في أعلاها مستدبرًا لهم ارتد بولُه إِليه، وإِن قعد في أعلاها مستقبلًا لهم انكشفت عورته أمامهم، فما بقي إِلا أن يقوم قائمًا مستدبرًا للقوم، فيكون في ذلك محتاجًا إلى البول قائمًا.
وأما حديث: «أنه فعل ذلك لجُرحٍ كان في مأبَضِه» (^٣) فضعيف، وكذلك القول بأنه فعل ذلك لأن العرب يَتَطبَّبُون بالبول قيامًا من وَجَعِ الرُّكَبِ فضعيف (^٤).
ولكن يمكن أن يُقالَ: إِن العرب إِذا أوجعتهم ركبُهم عند الجلوس بَالوا قيامًا للحاجة.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب البول قائمًا وقاعدًا، رقم (٢٢٤)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب المسح على الخفين، رقم (٢٧٣). (ملاحظة): السُّباطة: هي المِزبلة.
(٢) انظر: «فتح الباري» (١/ ٣٣٠)، «المغني» (١/ ٢٢٤).
(٣) رواه الحاكم (١/ ١٨٢)، والبيهقي (١/ ١٠١) من حديث أبي هريرة. وصحَّحه الحاكم، وتعقبه الذهبي: بأن فيه راويًا ضعيفًا. والحديث ضعَّفه: الدارقطني، والبيهقي، والنووي، وابن حجر وغيرهم. انظر: «الخلاصة» رقم (٣٦٠)، و«الفتح» شرح حديث رقم (٢٢٦). (ملاحظة): المأبض: باطن الرُّكبة.
(٤) انظر: «فتح الباري» (١/ ٣٣٠).
[ ١ / ١١٦ ]