قوله: «وكل أجزائها نجسةٌ»، كاليد، والرِّجل، والرَّأس ونحوها لعموم قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]،
والميتةُ تُطلَقُ على كلِّ الحيوان ظاهره وباطنه.
قوله: «غيرُ شَعْر ونحوه»، كالصُّوف للغنم، والوبر للإِبل، والرِّيش للطيور، والشَّعر للمَعْز والبقر، وما أشبهها.
ويُستثنى من ذلك ما يلي:
١ - عظم الميتة، على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٢)، «الاختيارات» ص (٤).
[ ١ / ٩٣ ]
﵀ (^١) وهو أحد القولين في المذهب (^٢)، ويُستَدَلُّ لذلك: بأنَّ العظم وإن كان يتألَّم ويحسُّ لكنه ليس فيه الحياة الكاملة، ولا يحُلُّه الدَّم، وليس له
حياة إلا بغيره، فهو يشبه الظُّفر والشَّعر وما أشبه ذلك، وليس كبقية الجسم. ويُقال أيضًا: إِنَّ مدار الطَّهارة والنَّجاسة على الدَّم؛ ولهذا كان ما ليس له نَفْسٌ سائلة
طاهرًا.
ولكن الذي يظهر أن المذهب في هذه المسألة هو الصَّواب؛ لأن الفرق بين العظم وبين ما ليس له نَفْسٌ سائلة أن الثاني حيوان مستقل، وأما العظم فكان نجسًا
تبعًا لغيره؛ ولأنَّه يتألّم فليس كالظُّفر أو الشَّعر، ثم إِن كونه ليس فيه دم محلُّ نظر؛ فإِن الظّاهر أن فيه دمًا كما قد يُرى في بعض العظام.
٢ - السَّمك وغيره من حيوان البحر بدون استثناء، فإن ميتته طاهرة حلال لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]، وتقدَّم تفسير ابن عباس
للصَّيد والطَّعام (^٣).
ويلزم من الحِلّ الطَّهارة، ولا عكس، فيتلخَّص عندنا ثلاث قواعد:
أـ كُلُّ حلال طاهر.
ب - كُلُّ نجس حرام.
جـ ليس كُلُّ حرام نجسًا.
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٩٧)، «الاختيارات» ص (٢٦).
(٢) انظر: «الإِنصاف» (١/ ١٧٧).
(٣) تقدم تخريجه ص (٨٣).
[ ١ / ٩٤ ]
٣ - ميتة الآدمي لعموم قوله ﷺ: «إِنَّ المؤمن لا ينجس» (^١)، ولأن الرَّجُل إذا مات يُغسَّل، ولو كان نجسًا ما أفاد به التغسيل.
٤ - ميتة ما ليس له دم، والمراد الدَّم الذي يسيل إِذا قُتل، أو جُرح، كالذُّباب، والجراد، والعقرب. والدَّليل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول
الله ﷺ: «إذا وقع الذُّباب في شراب أحدِكم فلْيغمسه ثم لينزعْه» (^٢).
فقوله: «فلْيغمسْه» يشمل غمسَه في الماء الحار، وإِذا غُمس في الماء الحار فإِنه يموت، فلو كان ينجس لأمر الرَّسول ﷺ بإِراقته.
ونضيف للقواعد السابقة قاعدة رابعة وهي: أنه لا يلزم من الطَّهارة الحِلُّ.
وقوله: «غيرُ شَعْرٍ ونحوه»، اشترطوا ﵏ في الشَّعر ونحوه أن يُجَزَّ جزًّا لا أن يُقلَعَ قلعًا (^٣)، لأنه إذا قُلِعَ فإِن أصوله محتقن فيها شيء من الميتة، وهذا
يظهر جدًّا في الرِّيش، أما الشَّعر، فليس بظاهر؛ لكنه في الحقيقة منغرس في الجلد، وفيه شيء مباشر للنَّجاسة.
وبهذا علمنا أن الميتة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٢٥).
(٢) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق: باب إِذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، رقم (٣٣٢٠).
(٣) انظر: «حاشية العنقري على الروض المربع» (١/ ٣٢).
[ ١ / ٩٥ ]
١ - الشَّعر ونحوه طاهر.
٢ - اللحم، وما كان داخل الجلد نجس، ولا ينفع فيه الدَّبغ.
٣ - الجلد وهو طبقة بينهما، وحكمه بين القسمين السَّابقين.
تتمة: ذكر الفقهاء ﵏، أنَّ جعلَ المُصْران والكِرْش وتَرًا - أي حبالًا - دِبَاغٌ، أي بمنزلة الدِّباغ (^١)، وبناءً عليه لا يكون طاهرًا، ويجوز استعماله في اليابسات
على المذهب.
لكن صاحب «الفروع» ﵀ وهو من أشهر تلاميذ شيخ الإسلام ﵀ ولا سيَّما في الفقه - يقول: «يتوجَّه لا» (^٢)، والمعنى: أنه يرى أن الأوجه بناءً
على المذهب، أو على القول الرَّاجح عنده أنَّه ليس دباغًا، وما قاله متوجِّه؛ لأن المُصْرَان والكِرْش من صُلب الميتة، والصَّواب ما ذهب إليه صاحب «الفروع».
وبهذه المناسبة: إذا قيل: «يتوجَّه كذا»، فهو من عبارات صاحب «الفروع»، وإذا قيل: «يتَّجه كذا» فهو من عبارات مرعي صاحب «الغاية»، وهو من المتأخرين جمع
في «الغاية» بين «المنتهى» و«الإقناع».
لكن بين توجيهات صاحب «الفروع» واتجاهات صاحب «الغاية» من حيث القوَّة والتَّعليل والدَّليل فرق عظيم.
فتوجيهات صاحب «الفروع» غالبًا تكون مبنيَّة على القواعد والأصول، أما اتجاهات صاحب «الغاية» فهي دون مستوى تلك.
_________________
(١) انظر: «الإِنصاف» (١/ ١٧٤).
(٢) انظر: «الفروع» (١/ ١٠٥).
[ ١ / ٩٦ ]