قوله: «وكَلامُهُ فيه»، يعني: يُكره كلامُ قاضي الحاجة في الخلاء، والدَّليل: أن رجلًا مرَّ بالنبيِّ ﷺ وهو يبول؛ فسلَّم عليه فلم يردَّ عليه¬ السَّلام (^١).
قالوا: ولو كان الكلام جائزًا لردَّ عليه¬ السَّلام؛ لأن ردَّ السَّلام واجب (^٢).
لكن مقتضى هذا الاستدلال أنه يحرم أن يتكلَّم وهو على قضاء حاجته، ولهذا ذكر صاحب «النُّكت» ابن مفلح ﵀ هذه المسألة وقال: وظاهر استدلالهم يقتضي التَّحريم، وهو أحد القولين في المسألة (^٣).
لكن اعتذروا عن القول بالتَّحريم بعذرين (^٤):
الأول: أن هذا المُسَلِّم لا يستحقُّ رَدًّا، لأنه لا ينبغي السَّلام على قاضي الحاجة، ومن سلَّم في حالٍ لا ينبغي أن يُسَلِّم فيها لم يستحقَّ رَدًّا. وهذا ضعيف؛ لأن الرَّسول ﷺ لم يعلِّلْ عدم رَدِّ السَّلام بأنَّه سَلَّم في حالٍ لا يستحقُّ الردَّ فيها.
الثاني: أن النبيَّ ﷺ لم يترك الواجب؛ لأنَّه بعد أن انتهى من بوله رَدَّ عليه واعتذر منه (^٥).
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الحيض: باب التيمم، رقم (٣٧٠). من حديث ابن عمر.
(٢) انظر: «المغني» (١/ ٢٢٧).
(٣) انظر: «النكت على المحرر» (١/ ٨، ٩).
(٤) انظر: «كشاف القناع» (١/ ٦٣)، (٢/ ١٢٨).
(٥) رواه أحمد (٤/ ٣٤٥)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب أيردُّ السلام وهو يتبول، رقم (١٧)، والنَّسائي، كتاب الطهارة: باب ردّ السَّلام بعد الوضوء، رقم (٣٨)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب الرجل يُسلَّم عليه وهو يبول، رقم (٣٥٠) عن المهاجر بن قنفذ أنه أتى النبيَّ ﷺ وهو يبول، فسلَّم عليه فلم يرد عليه حتى توضَّأ، ثم اعتذر إِليه، فقال: «إِني كرهت أن أذكر الله إِلا على طُهر» وصحَّحه: ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والنووي، والذهبي. انظر: «الخلاصة» رقم (٣٥٥)، و«فتح الباري» شرح حديث رقم (٦٢٣٠).
[ ١ / ١١٧ ]
وهذا صحيح؛ لأن تأجيلَ الردِّ لا يستلزم القول بالتَّحريم. أما إِذا كان قاضِيَا الحاجة اثنين، ينظر أحدهما إِلى عورة الآخر ويتحدَّثان فهو حرام بلا شَكٍّ، بل إِن ظاهر الحديث الوارد فيه - لولا ما فيه من المقال - أنه من كبائر الذُّنوب؛ لأن الرَّسول ﷺ أخبر أن الرَّجُلين إِذا فَعَلا ذلك فإِن الله يمقت عليه (^١). والمَقْت أشدُّ البغض، وأما إذا لم ينظر أحدهما إلى عورة الآخر؛ فأقلُّ أحواله أن يكون مكروهًا.
والإِمام أحمد نصَّ على أنه يُكره الكلام حال قضاء
_________________
(١) ن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله: «إِذا تغوط الرَّجُلان فليتوارَ كلُّ واحد منهما عن صاحبه، ولا يتحدثان على طوْقهما، فإِن الله يمقت على ذلك». قال ابن القطان: «صحيح من حديث جابر»، وأقرَّه ابن عبد الهادي في «المحرر» رقم (٩٨). ورواه الطبراني في «الأوسط» (١٢٨٦) عن أبي هريرة. وقال الهيثمي: «رجاله موثقون». «المجمع» (١/ ٢٠٧). ورواه أحمد (٣/ ٣٦)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب أيرد السلام وهو يبول، رقم (١٥)، والحاكم (١/ ١٥٧) وصححه، ووافقه الذهبي. وحسَّنه النووي من حديث أبي سعيد الخدري. وضعّف طريق أبي سعيد ابنُ القطان؛ بسبب الاضطراب وجهالة الراوي عن أبي سعيد. «بيان الوهم والإِيهام» رقم (٨٥٢، ١٠١٨، ٢٤٦٠)، وانظر: «العلل» للدارقطني (١١/ ٢٩٦). ولكن تقدم تصحيح ابن القطان لطريق جابر.
[ ١ / ١١٨ ]
الحاجة، وفي رواية عنه قال: «لا ينبغي» (^١).
والمعروف عند أصحابه أنه إذا قال: «أكره»، أو «لا ينبغي» أنه للتَّحريم.
فالحاصل: أنه لا ينبغي أن يتكلَّم حال قضاء الحاجة، إلا لحاجة كما قال الفقهاء ﵏، كأن يُرشِدَ أحدًا، أو كلَّمه أحد لا بدَّ أن يردَّ عليه، أو كان له حاجة في شخص وخاف أن ينصرف، أو طلب ماء ليستنجي، فلا بأس (^٢).