قوله: «ولا يزيل النَّجس الطارئَ غيرُه»، أي: لا يزيل النَّجس إلا الماء، والدَّليل قوله ﷺ في دم الحيض يصيب الثَّوب: «تَحُتُّه، ثم تَقْرُصُه بالماء، ثم تَنْضَحُه، ثم تُصلِّي فيه» (^٣).
والشَّاهد قوله: «بالماء»، فهذا دليل على تعيُّن الماء لإزالة النَّجاسة.
وقوله ﷺ في الأعرابي الذي بَالَ في المسجد: «أهْريقوا على بوله سَجْلًا من ماء» (^٤).
_________________
(١) انظر: ص (٣٧٥ - ٣٧٦).
(٢) رواه البخاري، كتاب التيمم: باب (١)، رقم (٣٣٥) واللفظ له، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، رقم (٥٢١) من حديث جابر.
(٣) رواه البخاري، كتاب الحيض: باب غسل دم المحيض، رقم (٣٠٧)، ومسلم كتاب الطهارة: باب نجاسة الدم وكيفية غسله، رقم (٢٩١) واللفظ له عن أسماء بنت أبي بكر الصديق.
(٤) رواه البخاري، كتاب الأدب: باب قول النبي ﷺ: يسِّروا ولا تعسروا، رقم (٦١٢٨) واللفظ له عن أبي هريرة، ومسلم، كتاب الطهارة: باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إِذا حصلت في المسجد، رقم (٢٨٤، ٢٨٥) عن أنس بن مالك.
[ ١ / ٢٩ ]
«ولمَّا بال الصبيُّ على حِجْره؛ دعا بماء فأتْبَعَهُ إِيَّاه» (^١)، فدلَّ هذا على أنَّه لا يزيل النَّجَس إِلا الماء، فلو أزلنا النَّجاسة بغير الماء لم تَطْهُر على كلام المؤلِّفِ.
والصَّواب: أنَّه إِذا زالت النَّجاسة بأي مزيل كان طَهُر محلُّها؛ لأنَّ النَّجاسة عينٌ خبيثة، فإذا زالت زال حكمها، فليست وصفًا كالحدث لا يُزال إِلا بما جاء به الشَّرع، وقد قال الفقهاء ﵏: «إذا زال تغيُّر الماء النَّجس الكثير بنفسه صار طَهُورًا (^٢)، وإِذا تخلَّلت الخمر بنفسها صارت طاهرة» (^٣)، وهذه طهارة بغير الماء.
وأما ذِكْرُ الماء في التَّطهير في الأدلة السَّابقة فلا يدلُّ تعيينُه على تعيُّنِهِ؛ لأن تعيينَه لكونه أسرعَ في الإِزالة، وأيسرَ على المكلَّف.
وقوله: «النَّجس الطَّارئ»، أي: الذي وَرَدَ على محَلٍّ طاهر.
فمثلًا: أن تقع النَّجاسة على الثَّوب أو البساط، وما أشبه ذلك، فقد وقعت على محَلٍّ كان طاهرًا قبل وقوع النَّجاسة، فتكون النَّجاسةُ طارئةً.
أما النَّجاسة العينيَّة فهذه لا تطهُر أبدًا، لا يطهِّرُها لا ماء
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب بول الصبيان، رقم (٢٢٢)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله، رقم (٢٨٦)، عن عائشة ﵂.
(٢) انظر: ص (٥٦).
(٣) انظر: «الإِنصاف» (٢/ ٣٠٠).
[ ١ / ٣٠ ]
ولا غيره؛ كالكلب، فلو غُسِلَ سبع مرات إِحداهن بالتُّراب فإِنَّه لا يَطْهُر؛ لأنَّ عينَه نجسة.
وذهب بعض العلماء إِلى أنَّ النَّجاسة العينية إِذا استحالت طَهُرت (^١)؛ كما لو أوقد بالرَّوث فصار رمادًا؛ فإِنه يكون طاهرًا، وكما لو سقط الكلب في مملحة فصار ملحًا؛ فإنه يكون طاهرًا، لأنَّه تحوَّلَ إِلى شيء آخر، والعين الأولى ذهبت، فهذا الكلب الذي كان لحمًا وعظامًا ودمًا، صار ملحًا، فالملح قضى على العين الأولى.