قوله: «ولا يصحُّ قبلَه وُضُوءٌ ولا تيمُّمٌ»، يعني: يُشترطُ لصحَّة الوُضوء والتيمُّم تقدم الاستنجاء، أو الاستجمار.
والدَّليل فعلُ النبيِّ ﷺ، فإِنَّه كان يُقدِّمُ الاستجمار على الوُضُوء (^١)، ولكن هل مجرد الفعل يدلُّ على الوجوب؟ الرَّاجحُ عند أهل العلم أن مجرَّد الفعل لا يقتضي الوجوب؛ إِلا إذا كان بيانًا لمجمل من القول يدل على الوجوب؛ بناءً على النَّصِّ المبيَّن (^٢).
أما مجرَّدُ الفعل: فالصَّحيح أنَّه دالٌ على الاستحباب، ولكنَّ فقهاء الحنابلة استدلُّوا على الوجوب بقول النبيِّ ﷺ لعليٍّ ﵁: «يغسُل ذَكَرَه ويتوضَّأ» (^٣)، قالوا: قَدَّمَ ذِكْرَ غَسْلِ
_________________
(١) مثل حديث أنس عند البخاري، كتاب الوضوء: باب حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء، رقم (١٥٢) بلفظ: «كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلامٌ إِداوةً من ماء وعَنَزَة، يستنجي بالماء». ووجه حمل العنزة مع الماء: لأن النبي ﷺ كان إِذا استنجى توضَّأ، وإِذا توضَّأ صلَّى. قال ابن حجر: «هذا أظهر الأوجه». وهو استنباط البخاري، وانظر أحاديث الاستجمار والاستنجاء ص (١٣٠، ١٣١).
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٥٦٧)، «الأصول من علم الأصول» ص (٤١).
(٣) تقدم تخريجه ص (١٣٩).
[ ١ / ١٤١ ]
الذَّكَر، والأصل أن ما قُدِّمَ فهو أسبق (^١)، ويدلُّ لذلك قوله ﷺ حين أقبل على الصَّفا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾؛ أبْدَأُ بما بَدَأ اللَّهُ به» (^٢)، ولكن هذه الرِّواية في «مسلم» يعارضها رواية «البخاري» و«مسلم» حيث قال: «توضَّأ وانضحْ فرجك» (^٣) فظاهرهما التَّعارض؛ لأنَّ إِحدى الرِّوايتين قَدَّمَتْ ما أخَّرتَه الأخرى.
والجمع بينهما أن يُقالَ: إِن الواو لا تستلزم التَّرتيب.
فأما رواية النَّسائي: «يغسلُ ذَكَره ثم ليتوضَّأ» (^٤)، وهذه صريحة في التَّرتيب. فقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أنها منقطعة، والانقطاع يضعِّفُ الحديث، فلا يُحتَجُّ بها.
ولهذا كان عن الإِمام أحمد في هذه المسألة روايتان (^٥):
الأولى: أنَّه يصحُّ الوُضُوءُ والتيمُّمُ قبل الاستنجاء.
الثانية: أنَّه لا يصحُّ وهي المذهب.
_________________
(١) انظر: «كشاف القناع» (١/ ٧٠، ٧١).
(٢) رواه مسلم، كتاب الحج: باب حجة النبيِّ ﷺ، رقم (١٢١٨) عن جابر بن عبد الله ..
(٣) اللفظ له، عن علي بن أبي طالب.
(٤) رواه النسائي، كتاب الغسل: باب الوضوء من المذي (الاختلاف على بُكير)، (١/ ٢١٥) رقم (٤٣٨). عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار عن علي بن أبي طالب به. وسليمان بن يسار لم يسمع من علي ولا من المقداد؛ كما قال القاضي عياض. انظر: هامش «جامع التحصيل» ص (١٩١).
(٥) انظر: «الإِنصاف» (١/ ٢٣٥، ٢٣٦).
[ ١ / ١٤٢ ]
والرِّواية الأولى اختارها الموفَّق، وابن أخيه شارح «المقنع» والمجد (^١).
وهذه المسألة إِذا كان الإِنسانُ في حال السَّعَة فإِننا نأمره أولًا بالاستنجاء ثم بالوُضُوء، وذلك لفعل النبيِّ ﷺ، وأما إِذا نسيَ، أو كان جاهلًا فإِنه لا يجسر الإِنسان على إِبطال صلاته، أو أمره بإِعادة الوُضُوء والصَّلاة.
_________________
(١) انظر: «المغني» (١/ ١٥٥)، «الشرح الكبير» (١/ ٢٣٥، ٢٣٦)، «المحرر» (١/ ١٠).
[ ١ / ١٤٣ ]