قوله: «ولا يَطْهر جلدُ ميتة بدِبَاغ»، الدَّبغ: تنظيف الأذى والقَذَر الذي كان في الجلد بواسطة مواد تُضاف إلى الماء.
فإِذا دُبِغَ جلدُ الميتة فإِنَّ المؤلِّف يقول: إِنه لا يطهرُ بالدِّباغ.
فإن قيل: هل ينجُس جلد الميتة؟
فالجواب: إن كانت الميتة طاهرة فإِن جلدها طاهر، وإِن كانت نجسةً فجلدها نجس.
ومن أمثلة الميتة الطَّاهرة: السَّمك لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦].
قال ابن عباس ﵄: «صيده ما أُخِذَ حيًّا، وطعامه ما أُخِذَ ميتًا» (^١).
فجلدها طاهر.
أما ما ينجُس بالموت فإِن جلده ينجُس بالموت لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ
_________________
(١) رواه ابن جرير الطبري رقم (١٢٦٩٦، ١٢٦٩٧، ١٢٧٠١، ١٢٦٩٢، ١٢٦٧٣، ١٢٦٧٥)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» رقم (٦٨٣٣، ٦٨٢٩).
[ ١ / ٨٥ ]
رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أي نَجِسٌ، فهو داخل في عموم الميتة.
فإن قيل: إن الميتة حرام، ولا يلزم من التَّحريم النَّجاسة؟
فالجواب: أنَّ القاعدة صحيحة، ولهذا فالسُّمُ حرام، وليس بنجس، والخمر حرام وليس بنجس على القول الرَّاجح، ولكن الله لما قال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ
مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، علَّل ذلك بقوله: «رِجْسٌ» والرِّجس النَّجس، وهذا واضح
في أن الميتة نجسة. فإِذًا الميتة نجسة؛ وجلدها نجس؛ ولكن إِذا دبغناه هل يطهُر؟.
اختلَفَ في ذلك أهلُ العلم (^١)، فالمذهب أنه لا يطهُر، قالوا: لأن الميتة نجسة العين، ونجس العين لا يمكن أن يطهُر، فروثة الحمار لو غُسِلت بمياه البحار ما
طَهُرت، بخلاف النَّجاسة الحُكمية، كنجاسة طرأت على ثوب ثم غسلناه، فإنه يطهُر.
وهذا القياس مع أنَّه واضح جدًا إِلا أنه في مقابلة النصِّ، وهو حديث ميمونة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ: «مَرَّ بشاةٍ يجرُّونها، فقال: هلاَّ أخذتم
إِهابها؟ قالوا: إنها ميتة، قال: يُطهِّرها الماءُ والقَرَظُ» (^٢)، وهذا صريح في أنَّه يَطْهُر بالدَّبغ.
_________________
(١) انظر: «الإِنصاف» (١/ ١٦١، ١٦٢).
(٢) رواه أحمد (٦/ ٣٣٤)، وأبو داود، كتاب اللباس: باب في أُهب الميتة، رقم (٤١٢٦)، والنسائي، كتاب الفرع والعتيرة: باب ما يُدبغُ به جلودُ الميتة (٧/ ١٧٤). قال النووي: «رواه أبو داود والنسائي بإِسنادين حَسنين، وروى البيهقي معناه من رواية ابن عباس». الخلاصة رقم (٥٣). قال ابن الملقن: «رواه أبو داود والنسائي وابن حبان من رواية ميمونة بأسانيد حسنة» «خلاصة البدر المنير» رقم (٤٥). قال ابن حجر: «صحَّحه ابن السكن والحاكم»، التلخيص الحبير رقم (٤٣). ملاحظة: القَرَظُ: ورق السَّلم، أو ثمر السَّنْط، يدبغ به.
[ ١ / ٨٦ ]
ولكن قالوا: هذا الحديث منسوخ بما يُروى عن عبد الله بن عُكَيْم قال: «إن النبيَّ ﷺ كتب إِلينا لا تنتفعوا من الميتة، بإِهابٍ ولا عَصَب» (^١).
زاد أحمد وأبو داود: «قبل وفاته بشهر».
والجواب على ذلك:
أولًا: أنَّ الحديث ضعيف، فلا يقابل ما في «صحيح مسلم» (^٢).
_________________
(١) رواه أحمد (٤/ ٣١٠)، وأبو داود، كتاب اللباس: باب من روى أن لا يُنْتَفعَ بإِهاب الميتة، رقم (٤١٢٨)، والنسائي، كتاب الفرع والعتيرة: باب ما يُدبغ به جلود الميتة (٧/ ١٧٥)، والترمذي، كتاب اللباس: باب ما جاء في جلود الميتة، رقم (١٧٢٩)، وابن ماجه، كتاب اللباس: باب من قال لا ينتفع من الميتة بإِهاب ولا عصب، رقم (٣٦١٣)، وابن حبان رقم (١٢٧٩). قال الترمذي: «حديث حسن»، وقال: «كان أحمد بن حنبل يذهب إِلى هذا الحديث … ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إِسناده». قال البيهقي وآخرون: «هو مرسل، ولا صحبة لابن عُكَيم». قال الخطابي: «عَلَّله عامَّةُ العلماء؛ لعدم صحبة ابن عُكيم، وعَلَّلوه أيضًا بأنه مضطرب، وعن مشيخة مجهولين، ولأن الإِهاب الجلد قبل الدباغ عند جمهور أهل اللغة». وذهب ابن حبان إِلى أن إِسناده صحيح متَّصل، وأنه لا تعارض بينه وبين حديث ميمونة. انظر كلامه في «صحيحه» رقم (١٢٧٩) فإِنه هام. وانظر: «الخلاصة» للنووي رقم (٤٥). و«التلخيص الحبير» رقم (٤١).
(٢) رواه مسلم، كتاب الحيض: باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، رقم (٣٦٣) من حديث ابن عباس ولفظه: «تُصُدِّقَ على مولاة لميمونة بشاة، فماتت فمرَّ بها رسول الله ﷺ فقال: «هلاّ أخذتم إِهابها فدبغتموه، فانتفعتم به؟ فقالوا: إِنها ميتة. فقال: إِنما حُرِّم أكلُها».
[ ١ / ٨٧ ]
ثانيًا: أنَّه ليس بناسخ؛ لأننا لا ندري هل قضيَّة الشَّاة في حديث ميمونة قبل أن يموتَ بشهر، أو قبل أن يموت بأيَّام؟ ومن شرط القول بالنسخ العلم بالتَّاريخ.
ثالثًا: أنَّه لو ثبت أنه متأخِّر، فإِنه لا يُعارض حديث ميمونة؛ لأن قوله: «لا تنتفعوا من الميتة بإِهاب ولا عصب» يُحمَلُ على الإِهاب قبل الدَّبغ، وحينئذٍ يُجمع بينه وبين
حديث ميمونة.
فإن قال قائل: كيف تقولون لو دُبِغَ اللحمُ ما طَهُرَ؛ ولو دُبِغَ الجلدُ طَهُرَ؟ وكلها أجزاء ميتة، ونحن نعرف أن الشريعة الحكيمة لا يمكن أن تفرِّق بين متماثلين؟
أجيب من وجهين:
الأول: أنَّه متى ثبت الفرق في الكتاب والسُّنَّة بين شيئين متشابهين، فاعلم أن هناك فرقًا في المعنى، ولكنَّك لم تتوصَّل إِليه؛ لأن إحاطتك بحكمة الله غير ممكنة،
فموقفك حينئذ التَّسليم.
الثاني: أن يُقالَ: إِنه يمكن التَّفريق بين اللحم والجلد، فإِن حلول الحياة فيما كان داخل الجلد أشدُّ من حلولها في الجلد نفسه، لأن الجلد فيه نوع من الصلابة
بخلاف اللحوم، والشُّحوم، والأمعاء، وما كان داخله فإِنه ليس مثله، فلا يكون فيه من الخَبَثِ - الذي من أجله صارت الميتة حرامًا ونجسة - مثل ما في اللحم ونحوه.
ولهذا نقول: إنه يُعطَى حكمًا بين حكمين:
الحكم الأول: أَنَّ ما كان داخل الجلد لا يَطْهُر بالدِّباغ.
[ ١ / ٨٨ ]
الحكم الثاني: أن ما كان خارج الجلد من الوبر والشَّعر فإِنه طاهر، والجلد بينهما، ولهذا أُعطي حكمًا بينهما.
وبهذا نعرفُ سُمُوَّ الشريعة، وأنها لا يمكن أن تُفرِّق بين متماثلين، ولا أن تَجمَع بين مختلفين، وأن طهارة الجلد بعد الدَّبغ من الحكمة العظيمة، ونجاسته بالموت من
الحكمة العظيمة؛ لأنه ليس كالشَّعر والوبر والرِّيش، وليس كالشحم واللحم والأمعاء.