قوله: «وما أُبين من حيٍّ فهو كميتته»، هذه قاعدة فقهية.
وأُبين: أي فُصل من حيوان حيٍّ.
وقوله: «كميتته»، يعني: طهارة، ونجاسة، حِلًّا، وحُرمة، فما أُبينَ من الآدمي فهو طاهر، حرام لحرمته لا لنجاسته، وما أُبين من السَّمك فهو طاهر حلال، وما أبين
من البقر فهو نجس حرام، لأنَّ ميتتها نجسة حرام، ولكن استثنى فقهاؤنا رحمهم الله تعالى مسألتين (^١):
الأولى: الطَّريدة: فعيلة بمعنى مفعولة، وهي الصيد يطرده الجماعة فلا يدركونه فيذبحوه، لكنهم يضربونه بأسيافهم أو خناجرهم، فهذا يقطع رِجْلَه، وهذا يقطع يده،
وهذا يقطع رأسه حتى يموت، وليس فيها دليل عن النبيِّ ﷺ إلا أن ذلك أُثِرَ عن الصَّحابة ﵃ (^٢).
قال الإمام أحمد ﵀: كانوا يفعلون ذلك في مغازيهم، ولا يرون به بأسًا، والحكمة في هذا - والله أعلم ـ: أن هذه الطَّريدة لا يُقدَرُ على ذبحها، وإِذا لم يُقدَرْ على
ذبحها، فإنها تَحِلُّ بعقرها في أي موضع من بدنها، فكما أنَّ الصَّيد إِذا أصيب في أي مكان من بدنه ومات فهو حلال؛ فكذلك الطَّريدة؛ لأنها صيد إلا أنها قطعت قبل أن
تموت.
_________________
(١) انظر: «شرح منتهى الإِرادات» (١/ ٢٨).
(٢) روى الإِمام أحمد عن هشيم، عن منصور، عن الحسن أنه كان لا يرى بالطريدة بأسًا، كان المسلمون يفعلون ذلك في مغازيهم. «المغني» (١٣/ ٢٨١) ونحوه عند ابن أبي شيبة في «المصنف» كتاب الصيد: باب في الرجل يضرب الصيد فيبين منه العضو، رقم (١٩٦٩٨).
[ ١ / ٩٧ ]
قال أحمد: «فإن بقيت»، أي: قطعنا رجلها، ولكن هربت ولم ندركها؛ فإن رجلها حينئذٍ تكون نجسة حرامًا؛ لأنها بانت من حَيٍّ ميتته نجسة.
الثانية: المِسْك وفأرته، ويكون من نوع من الغزلان يُسمَّى غزال المسك.
يُقال: إنهم إذا أرادوا استخراج المِسْكِ، فإِنهم يُركِضُونه فينزل منه دم من عند سُرَّته، ثم يأتون بخيط شديد قويٍّ فيربطون هذا الدم النازل ربطًا قويًّا من أجل أن لا
يتَّصل بالبدن فيتغذَّى بالدَّم، فإِذا أخذ مدَّة فإنه يسقط، ثم يجدونه من أطيب المسك رائحة.
وهذا الوعاء يُسمَّى فأرة المِسْك، والمِسْكُ هو الذي في جوفه، فهذا انفصل من حَيٍّ وهو طاهر على قول أكثر العلماء (^١). ولهذا يقول المتنبي:
فإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنت منهم فإِنَّ المِسْكَ بعضُ دم الغزال (^٢)
_________________
(١) انظر: «الفروع» (١/ ٢٤٩)، «المجموع شرح المهذب» (٢/ ٥٧٣).
(٢) ديوان المتنبي بشرح العكبري (٢/ ٢١).
[ ١ / ٩٨ ]