قوله: «ومُضَبَّبًا بهما، فإِنه يحرُمُ اتخاذُها واستعمالُها، ولو على أنثى»، الضبَّةُ: التي أخذ منها التضبيب، وهي شريطٌ يَجْمَعُ بين طرفي المنكسر، فإِذا انكسرت
الصَّحفَةُ من الخشب يخرزونها خرزًا، وهذا في السَّنوات الماضية، فيكون المضبَّبُ بهما حرامًا، وسواءٌ كان خالصًا أو مخلوطًا إِلا ما استُثني. والدَّليل: حديث حذيفة
﵁: «لا تشربوا في آنية الذَّهب والفضَّة، ولا تأكلوا في صحافها، فإِنَّها لهم في الدُّنيا ولكم في الآخرة» (^٣).
_________________
(١) انظر: «كشَّاف القناع» (١/ ٥٠).
(٢) رواه أحمد (٦/ ٥٨)، وأبو داود، كتاب الجنائز: باب في الحفَّار يجد العظم هل يتنكب ذلك المكان، رقم (٣٢٠٧)، وابن ماجه، كتاب الجنائز: باب النهي عن كسر عظام الميت، رقم (١٦١٦) من حديث عائشة. قال النووي: «رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي بأسانيد صحيحة». قال ابن حجر: «رواه أبو داود بإِسناد على شرط مسلم». انظر: «الخلاصة» رقم (٣٦٩٤)، «بلوغ المرام» رقم (٥٧٦).
(٣) رواه البخاري، كتاب الأطعمة: باب الأكل في إِناء مفضَّضٍ، رقم (٥٤٢٦)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة: باب تحريم استعمال إِناء الذهب والفضة، رقم (٢٠٦٧).
[ ١ / ٧٣ ]
وحديث أمِّ سلمة ﵂: «الذي يشربُ في آنية الفضَّة فإنما يجرجرُ في بطنه نارَ جَهنَّمَ» (^١)، والنهي للتَّحريم، وفي حديث أمِّ سلمة توعَّده بنار جهنَّم،
فيكون من كبائر الذُّنوب.
فإن قيل: الأحاديث في الآنية نفسِها، فكيف حُرِّم المضبَّبُ؟
فالجواب: أنه ورد في حديث رواه الدَّارقطني: «إِنَّه من شَرِب في آنية الذَّهب والفِضَّة، أو في شيء فيه منهما» (^٢).
وأيضًا: المحرَّم مفسدةٌ، فإِن كان خالصًا فمفسدتُه خالصة، وإِن لم يكن خالصًا ففيه بقدْرِ هذه المفسدة.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأشربة: باب آنية الفضة، ومسلم، كتاب اللباس والزينة: باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة، رقم (٢٠٦٥).
(٢) رواه الدارقطني (١/ ٤٠) من حديث ابن عمر، وقال: «إِسناده حسن». قلت: وينبغي أن يُحمل قول الدارقطني هذا؛ على أنه أراد به الغرابة أو النكارة؛ لأنَّ الأئمة المتقدمين وأئمة العلل خاصّة، يُطلقون التحسين ويريدون به النكارة، فمثلًا: يقول النسائي بعد روايته لحديثٍ في «سننه» (٤/ ١٤٢): «إِسناده حسن، وهو منكر» ولم يُرد النسائي نكارة المتن بقوله هذا، بل نكارة السند؛ ذلك أن المتن صحيح وقد أخرجه الشيخان. وللتَّوسع انظر: «الإِرشادات» (١٤٨). وبهذا يتفق قول الدارقطني مع أقوال بقية الحُفَّاظ حيث أطبقوا على ضعفه ونكارته نذكر منهم: ـ ابن القطان، قال: «لا يصحُّ»، «بيان الوهم والإِيهام»، رقم (٢١٥٢). ـ النووي، قال: «ضعيف»، «خلاصة الأحكام» رقم (٧٢). ـ ابن تيمية، قال: «إِسناده ضعيف». «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٨٥). ـ الذهبي، قال: «حديث منكر»، «الميزان»، ترجمة يحيى بن محمد الجاري. ـ ابن حجر، قال: «حديث معلول»، «الفتح» شرح حديث رقم (٥٦٣٨) وهو كما قالوا.
[ ١ / ٧٤ ]
ولهذا فكلُّ شيء حرَّمه الشَّارع فقليله وكثيره حرام؛ لقول النبيِّ ﷺ: «وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» (^١).
وعندنا هنا ثلاث حالات: اتِّخاذ، واستعمال، وأكل وشرب.
أمَّا الأكل والشُّرب فيهما فهو حرام بالنَّص، وحكى بعضهم الإجماع عليه (^٢).
وأما الاتِّخاذ فهو على المذهب حرام، وفي المذهب قول آخر (^٣)، وهو محكِيٌ عن الشَّافعي ﵀ أنه ليس بحرام (^٤).
وأما الاستعمال فهو محرَّم في المذهب قولًا واحدًا.
والصَّحيح: أن الاتِّخاذ والاستعمال في غير الأكل والشُّرب ليس بحرام؛ لأن النبيَّ ﷺ نهى عن شيء مخصوص وهو الأكل والشُّرب، ولو كان
المحرَّم غيرَهما لكان النبيُّ ﷺ وهو أبلغُ النَّاس، وأبينهم في الكلام - لا يخصُّ شيئًا دون شيء، بل إِن تخصيصه الأكل والشرب دليل على أن ما
عداهما جائز؛ لأنَّ النَّاس ينتفعون بهما في غير ذلك.
ولو كانت حرامًا مطلقًا لأَمَر النبيُّ ﷺ بتكسيرها، كما كان
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنة: باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ، رقم (٧٢٨٨)، ومسلم، كتاب الفضائل: باب توقيره ﷺ ..، رقم (١٣٣٧)، من حديث أبي هريرة.
(٢) انظر: «المجموع شرح المهذب» (١/ ٢٤٩).
(٣) انظر: «الإِنصاف» (١/ ١٤٥).
(٤) انظر: «المجموع شرح المهذب» (١/ ٢٤٩)، «المغني» (١/ ١٠٣).
[ ١ / ٧٥ ]
النبيُّ ﷺ لا يدعُ شيئًا فيه تصاوير إلا كسره أو هتكه (^١)، لأنها إِذا كانت محرَّمة في كل الحالات ما كان لبقائها فائدة.
ويدلُّ لذلك أن أمَّ سلمة - وهي راوية الحديث - كان عندها جُلجُل من فِضَّة جعلت فيه شعَرات من شعر النبي ﷺ فكان الناس يستشفون بها،
فيُشفون بإِذن الله، وهذا في «صحيح البخاري (^٢)»، وهذا استعمال في غير الأكل والشرب.
فإن قال قائل: خصَّ النبيُّ ﷺ الأكل والشرب لأنَّه الأغلب استعمالًا؛ وما علِّق به الحكم لكونه أغلب لا يقتضي تخصيصه به كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]، فتقييد تحريم الرَّبيبة بكونها في الحجر لا يمنع التَّحريم، بل تَحرُمُ، وإِن لم تكن في حِجره على قول أكثر
أهل العلم (^٣)؟
قلنا: هذا صحيح، لكن كون الرَّسول ﷺ يُعلِّق الحكم بالأكل والشُّرب؛ لأن مَظْهَرَ الأمة بالتَّرف في الأكل والشُّرب أبلغُ منه في مظهرها في غير
ذلك، وهذه عِلَّة تقتضي تخصيص الحكم
_________________
(١) روى البخاري، كتاب اللباس: باب ما وُطئ من التصاوير، رقم (٥٩٥٤)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة: باب تحريم تصوير صورة الحيوان، رقم (٢١٠٧)، واللفظ له، عن عائشة قالت: «دخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا مُتَسَتِّرَةٌ بقرام فيه صورة، فتلون وجهه، ثم تناول الستر فَهَتَكَه …»، وروى مسلم، كتاب الجنائز: باب الأمر بتسوية القبر، رقم (٩٦٩) عن علي بن أبي طالب: «أن النبي ﷺ بعثه على أنْ لا يدع تمثالًا إِلا طَمَسَه، ولا قبرًا مشرفًا إِلا سوّاه».
(٢) رواه البخاري، كتاب اللباس: باب ما يُذكر في الشَّيب، رقم (٥٨٩٦). ملاحظة: اختُلِفَ في ضبط لفظة «من فضَّة» فضبطها الأكثرُ بالقاف والصَّاد المهملة «من قُصَّة». وانظر كلام الحافظ ابن حجر في توجيه كلا الروايتين.
[ ١ / ٧٦ ]
بالأكل والشُّرب، لأنه لا شكَّ أنَّ الذي أوانيه في الأكل والشُّرب ذهب وفِضَّة، ليس كمثل من يستعملها في حاجات تَخْفَى على كثير من النَّاس.
وقوله: «ومضبَّبًا بهما … إلخ» يشمل الرِّجال والنِّساء، فلا يجوز للمرأة أواني الذَّهب والفِضَّة.
فإن قيل: أليس يجوز للمرأة أن تتحلَّى بالذَّهب؟
فالجواب: بلى، ولكن الرَّجل لا يجوز له ذلك.
فإن قيل: فما الفرق بين اتِّخاذ الحُلي واتِّخاذ الآنية واستعمالها فأُبيح الأوَّل دون الثاني؟
فالجواب: أنَّ الفرق أنَّ المرأة بحاجة إلى التجمُّل، وتجمُّلها ليس لها وحدها، بل لها ولزوجها، فهو من مصلحةِ الجميع، والرَّجل ليس بحاجة إِلى ذلك فهو طالب لا
مطلوب، والمرأة مطلوبة، فمن أجل ذلك أُبيح لها التَّحلِّي بالذَّهب دون الرَّجل، وأما الآنية فلا حاجة إِلى إِباحتها للنِّساء فضلًا عن الرِّجال.