قوله: «وهما خمسمائة رَطْلٍ عراقيٍّ تقريبًا»، مائة الرَّطل العراقي (^١) يزن قِربة ماء تقريبًا، وعلى هذا تكون خمس قِرَب تقريبًا. وأفادنا المؤلِّف بقوله: «تقريبًا» أن المسألة ليست على سبيل التَّحديد، فلا يضرُّ النَّقصُ اليسير.
قوله: «فخالطته نجاسة»، أي: امتزجت به، وتقدَّم تعريف النَّجاسة (^٢).
قوله: «غَيرُ بولِ آدميٍّ، أو عَذِرته المائعةِ، فلم تغيِّرهُ»، المراد لم تغيِّرْ طعمه، أو لونه، أو رائحته، وهذه المسألة - أعني مسألة ما إذا خالطت الماءَ نجاسةٌ - فيها ثلاثة أقوال (^٣):
القول الأول - وهو المذهب عند المتقدِّمين - أنه إذا خالطته نجاسة - وهو دون القُلَّتين - نَجُسَ مطلقًا، تغيَّر أو لم يتغيَّر، وسواء كانت النَّجاسة بولَ الآدميِّ أم عَذِرَتَهُ المائعةَ، أم غير ذلك. أمَّا إِذا بلغ القُلَّتين فيُفرَّق بين بولِ الآدميِّ وعَذِرَتِهِ المائعةِ، وبين سائر النجاسات، فإِذا بلغ القُلَّتين وخالطه بولُ آدميٍّ أو عَذِرَتُهُ
_________________
(١) الرطل العراقي = ٩٠ مثقالًا، والمثقال بالغرام = ٤.٢٥، ووزن الصاع النبوي بالغرام = ٢٠٤٠، وعلى هذا فالرطل العراقي = ٣٨٢.٥ غرامًا، والقلتان بالغرامات = ١٩١٢٥٠، وبالكيلو = ١٩١.٢٥. وبالأصواع = ١٩١٢٥٠ ٧ ٢٠٤٠ = ٩٣.٧٥.
(٢) انظر: ص (٢٦).
(٣) انظر: «الإِنصاف» (١/ ١٠١ - ١٠٤).
[ ١ / ٣٨ ]
المائعةُ نَجُسَ وإِن لم يتغيَّر، إِلا أن يَشُقَّ نَزْحُه، فإِن كان يَشُقُّ نَزحُه، ولم يتغيَّر فَطَهُورٌ، وإن كان لا يَشُقُّ نَزحُه ولو زاد على القُلَّتين فإِنَّه يَنْجُس بمخالطة بول الآدميِّ، أو عَذِرَتِهِ المائِعةِ وإِن لم يتغيَّر.
فالمعتبر - بالنِّسبة لبول الآدميِّ وعَذِرَتِهِ المائعة - مشقَّة النَّزْح، فإن كان يَشُقُّ نَزْحُه ولم يتغيَّر فطَهُور، وإن كان لا يَشُقُّ نَزْحُه فنجس بمجرد الملاقاة، وأما بقيَّة النَّجَاسات فالمعتبر القُلَّتان، فإِذا بلغ قُلّتين ولم يتغيَّر فطَهورٌ، وإِن لم يبلغ القُلَّتين فنجسٌ بمجرد الملاقاة.
مثال ذلك: رجل عنده قِربةٌ فيها ماء يبلغ القُلَّتين، فسقط فيها روث حمار، ولكن الماء لم يتغيَّر طعمُه، ولا لونه، ولا رائحته فَطَهُورٌ.
مثال آخر: عندنا غدير، وهذا الغدير أربع قلال من الماء، بالَ فيه شخص نقطة واحدة وهو لا يَشُقُّ نَزْحُه؛ ولم يتغيَّر؛ فإنه يكون نجسًا؛ لأن العبرة بمشقَّة النَّزْحِ.
واستدلُّوا على أنه إِذا بلغ قُلَّتين لا ينجُس إِلا بالتغيُّر بقوله ﷺ: «إِن الماء طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ» (^١)، مع قوله ﷺ:
_________________
(١) رواه أحمد (٣/ ١٥، ١٦، ٣١)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب ما جاء في بئر بُضاعة، رقم (٦٦)، والنسائي، كتاب المياه: باب ذكر بئر بُضاعة، رقم (٣٢٥)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء أن الماء لا ينجسّه شيء، وغيرهم. عن أبي سعيد الخدري. وقد صحَّحه: الإِمام أحمد، وابن معين، وابن تيمية، وحسنه الترمذي، وغيرهم. قال النووي: وقولهم مقدَّم على قول الدارقطني: «إِنه غير ثابت». «الخلاصة» رقم (٦)، وانظر «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٠).
[ ١ / ٣٩ ]
«إذا كان الماء قُلَّتين لم يحمل الخَبَثَ» (^١).
واستدلُّوا على الفرق بين بول الآدميِّ وغيره من النَّجاسات بقوله ﷺ: «لا يبولَنَّ أحدُكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه» (^٢)، فنهى النبيُّ ﷺ عن البول ثم الاغتسال، وهذا عام؛ لكن عُفي عما يَشُقُّ نَزْحُه من أجل المشقَّة.
القول الثاني: - وهو المذهب عند المتأخرين ـ: أنه لا فرق بين بول الآدميِّ وعَذِرَتِهِ المائعةِ، وبين غيرهما من النَّجَاسات، الكُلُّ سواء (^٣)، فإذا بلغ الماء قُلَّتين لم يَنْجُسْ إِلا بالتَّغيُّر، وما دون القلَّتين يَنْجُسُ بمجرَّد الملاقاة.
القول الثالث: - وهو اختيار شيخ الإسلام (^٤) وجماعة من
_________________
(١) رواه أحمد (٢/ ١٢، ٢٧)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب ما ينجس الماء، رقم (٦٣)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء، رقم (٦٧)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب مقدار الماء الذي لا ينجس، رقم (٥١٧) عن ابن عمر. وقد ضعّفه: ابن عبد البر، وإِسماعيل القاضي. وصحَّحه جماعة من العلماء كأحمد، والشافعي، وابن معين، وابن منده، وعبد الحق الإِشبيلي، وابن الملقن، وغيرهم. قال النووي: «وهو صحيح، صحَّحه الحفَّاظ». «الخلاصة» رقم (٩)، قال ابن تيمية: أكثر أهل العلم بالحديث على أنه حديث حسن يحتج به. انظر: «الأحكام الوسطى» (١/ ١٥٤)، و«مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤١)، و«التلخيص الحبير» رقم (٤)، و«تهذيب السنن» لابن القيم (١/ ٥٦).
(٢) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب البول في الماء الدائم، رقم (٢٣٩)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب النهي عن البول في الماء الراكد، رقم (٢٨٢) عن أبي هريرة.
(٣) انظر: «شرح منتهى الإِرادات» (١/ ١٨).
(٤) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٢)، «الاختيارات» ص (٤).
[ ١ / ٤٠ ]
أهل العلم (^١) ـ: أنه لا ينجس إِلا بالتَّغيُّر مطلقًا؛ سواء بلغ القُلَّتين أم لم يبلغ، لكن ما دون القلّتين يجب على الإنسان أن يتحرَّز إذا وقعت فيه النَّجَاسة؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ ما دونهما يتغيَّر.
وهذا هو الصحيح للأثر، والنَّظر.
فالأثر قوله ﷺ: «إن الماء طَهُور لا ينجِّسُهُ شيءٌ»، ولكن يُستثنى من ذلك ما تغيَّر بالنَّجَاسة فإِنه نجسٌ بالإِجماع. وهناك إشارة من القرآن تدُلُّ على ذلك، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فقوله: «فإنه رجس» معلِّلًا للحكم دليلٌ على أنه متى وُجِدَت الرِّجْسيةُ ثبت الحكم، ومتى انتفت انتفى الحكم، فإِذا كان هذا في المأكول فكذلك في الماء.
فمثلًا: لو سقط في الماء دم مسفوح فإِذا أثَّر فيه الدَّمُ المسفوح صار رجسًا نجسًا، وإِذا لم يؤثِّر لم يكن كذلك.
ومن حيث النَّظَرُ: فإنَّ الشَّرع حكيم يُعلِّل الأحكام بعللٍ منها ما هو معلوم لنا؛ ومنها ما هو مجهول. وعِلَّةُ النَّجاسة الخَبَثُ. فمتى وُجِد الخَبَثُ في شيء فهو نَجِس، ومتى لم يوجد فهو ليس بنجس، فالحكم يدور مع عِلَّته وجودًا وعدمًا.
فإن قال قائل: من النَّجاسات ما لا يُخالف لونُه لون الماء؛ كالبول فإنه في بعض الأحيان يكون لونُه لونَ الماء.
_________________
(١) انظر: «المغني» (١/ ٥٦)، «المجموع شرح المهذب» (١/ ١١٣).
[ ١ / ٤١ ]
فالجواب: يُقدَّر أن لونَه مغايرٌ للون الماء، فإِذا قُدِّر أنه يغيّر لونَ الماء؛ حينئذٍ حكمنا بنجاسة الماء على أن الغالب أن رائحته تغيِّر رائحة الماء، وكذا طعمه.
وأما حديث القُلَّتين فقد اختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه. فمن قال: إِنه ضعيف فلا معارضة بينه وبين حديث: «إن الماء طَهُور لا ينجِّسه شيء»؛ لأن الضَّعيف لا تقوم به حُجَّة.
وعلى القول بأنه صحيح فيقال: إِن له منطوقًا ومفهومًا. فمنطوقه: إذا بلغ الماء قُلتين لم ينجس، وليس هذا على عمومه؛ لأنه يُستثنى منه إِذا تغير بالنَّجاسة فإِنه يكون نجسًا بالإِجماع.
ومفهومه أن ما دون القُلّتين ينجس، فيقال: ينجس إِذا تغيَّر بالنَّجاسة؛ لأن منطوق حديث: «إن الماء طهور لا يُنَجِّسُه شيء» مقدَّم على هذا المفهوم، إِذ إِنَّ المفهوم يصدق بصورة واحدة، وهي هنا صادقة فيما إِذا تغيَّر.
وأما الاستدلال على التَّفريق بين بول الآدمي وعَذِرَتِه وغيرهما من النَّجاسات بقوله ﷺ: «لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدَّائم ثم يغتسل فيه»، فيقال: إِن النبيَّ ﷺ لم يقل: إِنه ينجس، بل نهى أن يبول ثم يغتسل؛ لا لأنه نجس، ولكن لأنَّه ليس من المعقول أن يجعل هذا مَبَالًا ثم يرجع ويغتسل فيه، وهذا كقوله ﷺ: «لا يجلدُ أحدُكم امرأته جَلْدَ العبد؛ ثم يضاجعُها» (^١)،
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب النكاح: باب ما يكره من ضرب النساء، رقم (٥٢٠٤) واللفظ له، ومسلم، كتاب الجنة: باب في شدة حَرِّ جهنم وبُعْدِ قعرها، رقم (٢٨٥٥) من حديث عبد الله بن زَمْعَة.
[ ١ / ٤٢ ]
فإِنَّه ليس نهيًا عن مضاجعتها؛ بل عن الجمع بينهما فإِنه تناقض.
والصَّواب: ما ذهب إليه شيخ الإسلام للأدلة النَّظرية والأثريَّة.