قوله: «ويجبُ الاستنجاءُ لكُلِّ خارج إِلا الريحَ»، هذا بيانُ حكم الاستنجاء، وما يجب له الاستنجاء، فقال: «ويجب …». وهل المرادُ هنا تطهير المحلِّ بالماء أو بما هو أعمُّ من ذلك؟
الجواب: أَنه عامٌّ، يعني أن تطهيرَه بالماء أو بالأحجار واجب.
والدَّليل: أمرُهُ ﷺ عليَّ بنَ أبي طالب أن يغسلَ ذكرَه لخروج المَذِي (^٢)، والمذيُ نجس. وأيضًا: حديث سلمان: «أمرنا
_________________
(١) رواه أحمد (٢/ ٣٧١)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب الاستتار في الخلاء، رقم (٣٥)، وابن ماجه، كتاب الطهارة، وسننها: باب الارتياد للغائط والبول، رقم (٣٣٧)، وابن حبان رقم (١٤١٠) وغيرهم من طريق الحصين الحبراني، عن أبي سعيد الخير، عن أبي هريرة به. قال ابن حجر: «ومداره على أبي سعد الحبراني الحمصي، وفيه اختلاف، وقيل: إِنه صحابي، ولا يصحُّ، والرَّاوي عنه حصين الحبراني، وهو مجهول، وقال أبو زرعة: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في العلل». «التلخيص الحبير» رقم (١٢٣)، وانظر: «العلل» للدارقطني رقم (١٥٧٠). قال النووي: «هذا حديث حسن»! «المجموع» (٢/ ٥٥). قال ابن حجر: «حسن الإِسناد»! «الفتح» شرح حديث رقم (١٥٦). قلت: أما أبو سعد (أو سعيد) فهو تابعي قطعًا كما قال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (١٢/ ١٠٩)، وذِكْر «الخير» بعده كما في بعض الروايات وَهْمٌ، والصواب بدونها كما قال الدارقطني في «العلل»، فالقول قول الحافظ في «التلخيص» والإِسناد ضعيف.
(٢) رواه البخاري، كتاب الغسل: باب غسل المذي والوضوء منه، رقم (٢٦٩)، ومسلم، كتاب الحيض: باب المذي، رقم (٣٠٣). بلفظ: «يغسل ذكره ويتوضأ».
[ ١ / ١٣٩ ]
رسول الله ﷺ أن لا نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثة أحجار» (^١).
وقوله: «لكُلِّ خَارجٍ» أي من السَّبيلين، ويُستثنى من ذلك الرِّيحُ؛ لأنها لا تُحدِثُ أثرًا فهي هواءٌ فقط، وإِذا لم تُحدث أثرًا في المحلِّ فلا يجب أن يُغسَلَ؛ لأن غسله حينئذٍ نوع من العبث، وسواء كان لها صوت أم لا فهي طاهرة، وإِن كانت رائحتها خبيثة.
وقال بعض العلماء: إِن الرِّيحَ نجسةٌ فيجب غَسْلُ المحلِّ منها (^٢). والصحيحُ: أنَّها طاهرةٌ؛ لأنها ليس لها جِرْمٌ.
ويترتَّب على هذا أنَّه لو خرجت منك وثيابك مبلولة فإِنها ستلاقي رطوبة.
فإن قلنا: هي نجسةٌ وجب غسل ما لاقته، وإن قلنا: طاهرةٌ لم يجب.
ولا نقول: يترتَّبُ على ذلك ما ذكره بعضُ الفقهاء: من أنَّ المصلِّيَ لو حمل قِرْبَة فُساءٍ فهل تصحُّ صلاته؟ لأن هذا أمر لا يمكن، ولكن بعض أهل العلم مشغوفٌ بالإِغراب في تصوير المسائل، ومثل هذا الأولى تركه؛ لأنه قد يُعاب على الفقهاء أن يصوِّروا مثل هذه الصُّور النَّادرة، التي قد تكون مستحيلة.
ويُستثنى من ذلك أيضًا المنيُّ؛ وهو خارجٌ من السَّبيل فهو داخل في عموم قوله: «لكُلِّ خَارجٍ» لكنَّه طاهرٌ، والطَّاهر لا يجب الاستنجاء له.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (١٣٠).
(٢) انظر: «الإِنصاف» (١/ ٢٣٤، ٢٣٥).
[ ١ / ١٤٠ ]
ويُستثنى أيضًا غيرُ المُلَوِّثِ ليُبُوسَتِه، فإِذا خرج شيءٌ لا يُلوِّثُ ليُبُوسَتِه فلا يُستَنْجى له؛ لأن المقصودَ من الاستنجاء الطَّهارةُ، وهنا لا حاجة إلى ذلك.
فإِن خرجَ شيءٌ نادرٌ كالحصاة فهل يجب له الاستنجاء؟
الجواب: إِنْ لوَّثت وجب الاستنجاءُ؛ لدخولها في عموم كلام المؤلِّف، وإِذا لم تلوِّث لم يجبْ لعدم الحاجة إليه.