قوله: «ويستجمر ثُمَّ يَسْتَنْجِي بالماء …»، الاستجمارُ: يكون بحجر وما ينوب منابه، والاستنجاء يكون بالماء.
وقوله: «يستجمرُ ثم يستنجي» هذا هو الأفضل؛ وليس على سبيل الوجوب، ولهذا قال: «ويجزئه الاستجمارُ».
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد، رقم (٢٨٥) عن أنس بن مالك.
[ ١ / ١٢٩ ]
والإنسان إِذا قضى حاجته لا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أنْ يستنجيَ بالماء وحده. وهو جائز على الرَّاجح، وإِن وُجِدَ فيه خلافٌ قديم من بعض السَّلف (^١) حيث أنكر الاستنجاء وقال: «كيف ألوِّثُ يدي بهذه الأنتان والقاذورات» (^٢)، والصَّحيح الجواز، وقد انعقد الإِجماع بعد ذلك على الجواز.
ودليل ذلك: حديث أنس ﵁ قال: كان النبيُّ ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلامٌ نحوي إِداوةً من ماء وعَنَزَةً؛ فيستنجي بالماء (^٣).
وأما التَّعليل: فلأن الأصل في إزالة النَّجاسات إِنما يكون بالماء، فكما أنك تزيلُ النَّجاسة به عن رجلك، فكذلك تزيلُها بالماء إِذا كانت من الخارج منك.
الثانية: أن يستنجيَ بالأحجار وحدها.
والاستنجاءُ بالأحجار مجزئ دَلَّ على ذلك قول الرَّسول ﷺ وفعله:
أما قوله: فحديث سلمان ﵁ قال: «نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثةِ أحْجَار» (^٤).
_________________
(١) انظر: «المغني» (١/ ٢٠٧).
(٢) انظر «المصنف» لابن أبي شيبة، كتاب الطهارات: باب من كان لا يستنجي بالماء، رقم (١٦٣٥) عن حذيفة بن اليمان، ورقم (١٦٤١) عن عبد الله بن الزبير.
(٣) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء، رقم (١٥٢)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب النهي عن التَّخلي في الطُّرق والظلال، رقم (٢٧١).
(٤) رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب الاستطابة، رقم (٢٦٢).
[ ١ / ١٣٠ ]
وأما فعله فكما في حديث ابن مسعود ﵁ أن النبيَّ ﷺ أتى الغائط، وأمره أن يأتيه بثلاثة أحجار، فأتاه بحجرين ورَوْثة، فأخذ النبيُّ ﷺ الحجرين، وألقى الرَّوثة وقال: «هذا رِكْسٌ» (^١)، وفي رواية: «ائتني بغيرها» (^٢).
وحديث أبي هريرة ﵁ أنه جمع للنبيِّ ﷺ أحجارًا، وأتى بها بثوبه؛ فوضعها عنده؛ ثم انصرف (^٣). فدلَّ على جواز الاستجمار.
وهذا مما يدلِّل لقول شيخ الإسلام ﵀ أن النَّجاسة إِذا زالت بأي مزيل كان طَهُرَ المحلُّ (^٤). وهذا أقرب إلى المنقول والمعقول من قول من قال: لا يزيل النَّجس إِلا الماء الطَّهُور.
الثالثة: أن يستنجيَ بالحجر ثم بالماء.
وهذا لا أعلمه ثابتًا عن النبيِّ ﷺ، لكن من حيث المعنى لا شكَّ أنه أكمل تطهيرًا.