قوله: «الخلع» بالفتح والضم، أما بالضم فهو المعنى، وأما بالفتح فهو الفعل، مثل: الغَسل، والغُسل، الغُسل للمعنى، والغَسل للفعل.
وأصل الخلع من خَلَعَ الثوب إذا نزعه، والمراد به اصطلاحًا فراق الزوج زوجته على عوض.
والخلع على المذهب له ألفاظ معلومة، كلفظ الخلع، أو الفداء، أو الفسخ، أو ما أشبه ذلك، فإن وقع بلفظ الطلاق صار طلاقًا.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه ليس له ألفاظ معلومة؛ لأن المقصود به هو فداء المرأة نفسها من زوجها، وعلى هذا فكل لفظ يدل على الفراق بالعوض فهو خلع، حتى لو وقع بلفظ الطلاق، بأن قال مثلًا: طلقت زوجتي على عوض قدره ألف ريال، فنقول: هذا خلع، وهذا هو المروي عن عبد الله بن عباس ﵄ أن كل ما دخل فيه العوض فليس بطلاق، قال عبد الله ابن الإمام أحمد: كان أبي يرى في الخلع ما يراه عبد الله بن عباس ﵄ أي: أنه فسخ بأي لفظ كان، ولا يحسب من الطلاق.
ويترتب على هذا مسألة مهمة، لو طلق الإنسان زوجته
[ ١٢ / ٤٥٠ ]
مرتين متفرقتين، ثم حصل الخلع بلفظ الطلاق، فعلى قول من يرى أن الخلع بلفظ الطلاق طلاق تكون بانت منه، لا تحل له إلا بعد أن تنكح زوجًا غيره، وعلى قول من يرى أن الخلع فسخ ولو بلفظ الطلاق، تحل له بعقد جديد حتى في العدة، وهذا القول هو الراجح.
لكن مع ذلك ننصح من يكتبون المخالعة أن لا يقولوا: طلق زوجته على عوض قدره كذا وكذا، بل يقولوا: خالع زوجته على عوض قدره كذا وكذا؛ لأن أكثر الحكام عندنا - وأظن حتى عند غيرنا - يرون أن الخلع إذا وقع بلفظ الطلاق صار طلاقًا، ويكون في هذا ضرر على المرأة، فإن كانت الطلقة الأخيرة فقد بانت، وإن كانت غير الأخيرة حُسِبت عليه.
والخلع قد يكون بطلب من الزوج، أو بطلب من الزوجة، أو بطلب من وليها، أو بطلب من أجنبي، فيكون بطلب من الزوج بأن يكون الزوج ملَّ زوجته، لكنه أصدقها مهرًا كثيرًا، وأراد أن تخالعه بشيء ترده عليه من المهر.
وقد يكون - وهو الغالب - بطلب من الزوجة، فهل للزوجة أن تطلب الخلع أو لا؟
فالجواب: إن كان لسبب شرعي ولا يمكنها المُقَام مع الزوج فلها ذلك، وإن كان لغير سبب فليس لها ذلك، مثال ذلك: امرأة كرهت عشرة زوجها، إما لسوء منظره، أو لكونه سيئ الخلق، أو لكونه ضعيف الدين، أو لكونه فاترًا دائمًا، المهم أنه لسبب تنقص به العشرة، فلها أن تطلب الخلع.
[ ١٢ / ٤٥١ ]
ولهذا قالت امرأة ثابت بن قيس بن شماس ﵄ للنبي ﷺ: «يا رسول الله ثابت بن قيس لا أعيب عليه في خلق ولا دين - فهو مستقيم الدين، مستقيم الخلق - ولكني أكره الكفر في الإسلام، تعني بالكفر عدم القيام بواجب الزوج، كما قال ﷺ: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير» (^١)، وليس مرادها أن تكفر بالله ﷿، بل تكفر بحق الزوج، لأنها قالت: في الإسلام، و«في» للظرفية، وهذا يعني أن إسلامها باقٍ، وفي بعض الروايات شددت في هذا حتى قالت: لولا مخافة الله لبصقت في وجهه (^٢)، من شدة بغضها له، ولا يُستغرب، فالنساء لهن عواطف جياشة كرهًا وحبًا، فقال لها النبي ﷺ: «أتردين عليه حديقته»، والحديقة هي المهر، حيث كان قد أمهرها بستانًا، فقالت: نعم، فقال النبي ﷺ لثابت: «خذ الحديقة وطلقها» فأخذها وطلقها (^٣).
الشاهد من هذا الحديث أنها قالت: «لا أعيب عليه في خلق ولا دين»، وعلى هذا، فإذا كان الزوج قليل شهود الجماعة في الصلاة، أو قليل الصلاة، أو عاقًا لوالديه، أو يتعامل بالربا، وما أشبه ذلك، فللزوجة أن تطلب الخلع لكراهتها دينه، لا سيما أن بعض الأزواج أولَ ما يخطب تجده يأتي بصورة تروق للناظرين، من حيث الخلق والتدين، كما قال الله عن المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] أي: ترى أنهم من
_________________
(١) (جزء من حديث: «ما رأيت من ناقصات عقل …»).
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣)؛ وابن ماجه في الطلاق/ باب المختلعة يأخذ ما أعطاها (٢٠٥٧) عن عبد الله بن عمرو ﵄.
(٣) أخرجه البخاري في الطلاق/ باب الخلع وكيف الطلاق فيه (٥٢٧٦) عن ابن عباس ﵄.
[ ١٢ / ٤٥٢ ]
خيرة عباد الله في الدين، وليس المراد تعجبك في الطول والقصر والسمن وما أشبه ذلك، ولهذا جاء في المقابل: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] فهم يعجبون الناظر والسامع.
فبعض الناس - نسأل الله العافية - أول ما يخطب تجده متنسكًا، بشوشًا، حسن الخلق، إذا تحدث عن المقصرين في الصلاة قال: أعوذ بالله، هؤلاء لا يخافون الله، وإذا تحدث عن أصحاب القنوات الفضائية، قال: نسأل الله العافية، هؤلاء يخربون بيوتهم بأيديهم، وإذا تزوج ضعف، فلا يصلي، إما مطلقًا، أو لا يصلي مع الجماعة، ثم يأتي بالدش لاستقبال القنوات الفضائية، وهذا واقع حيث ترد علينا أسئلة من هذا النوع، ومثل هذا لا يمكن للمرأة أن تصبر عليه، فلها أن تطلب الخلع.
وإذا وصلت بها الحال إلى ما وصلت إليه امرأة ثابت ﵄ وطلبت الخلع، فهل يُلزم الزوج بالخلع أو لا يلزم؟
لا شك أنه يستحب للزوج أن يوافق، وهو خير له في حاله ومستقبله، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] لكن إذا أبى وعُرض عليه مهره، فقيل له: نعطيك المهر كاملًا، فهل يُلزَم بذلك أو لا؟
اختلف العلماء ﵏ في هذه المسألة، فأكثرهم يقول: لا يُلزَم، فهو زوج وبيده الأمر، والقول الراجح أنه يُلزَم إذا قالت الزوجة: أنا لا مانع عندي، أعطيه مهره، وإن شاء
[ ١٢ / ٤٥٣ ]
أعطيته أكثر؛ لأن بقاءها معه على هذه الحال شقاء له ولها، وتفرق، والشارع يمنع كل ما يحدث البغضاء والعداوة، فالبيع على بيع المسلم حرام لئلا يحدث العداوة، فكيف بهذا؟! فيلزم الزوج أن يطلق، وحديث ثابت ﵁ يدل عليه؛ لأن النبي ﷺ قال: «خذ الحديقة وطلقها»، والأصل في الأمر الوجوب، وقول الجمهور: إن هذا للإرشاد فيه نظر.
والقول بالوجوب هو الراجح، يقول في الفروع: إنه ألزم به بعض القضاة في عهده، وهؤلاء الذين ألزموا به وُفِّقوا للصواب.