يجب علينا أن نعلم نعمة الله ﷿ علينا بالأكل والشرب في تيسيره وتسهيله، حتى وصل إلينا، وقد أشار الله - تعالى - إلى هذه النعم في سورة الواقعة، فقال ﷿ بعد أن ذكر المادة التي خُلِق منها الإنسان، وذكر المواد التي يقوم بها الإنسان: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ *أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ *﴾ [الواقعة] الجواب: بل أنت يا ربنا، ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ *﴾ [الواقعة] أي لو نشاء لنبت الزرع ونما واستتم، ثم جعله الله حطامًا، بما يُرسَل عليه من العواصف، أو القواصف، وهذا أشد في الحسرة، من كونه لا ينبت، يعني أن الله لم يقل: لو نشاء لم ينبت، بل قال: ﴿لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ وهذا أشد؛ لأن تعلق النفس به بعد أن نما واستتم أشد من تعلقها به وهو بذر ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ *بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ *أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ *﴾ والطعام لا يكون إلا بماء ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ *﴾ الجواب: بل أنت يا ربنا ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] ولم يقل: لو نشاء لم ننزله من المزن؛ لأن كون الماء بين يديك، ولكن لا تستطيع أن تشربه لكونه أجاجًا أشد حسرة ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ *﴾ ويصلح بها الطعام ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُونَ *﴾ [الواقعة] الجواب: بل أنت يا ربنا.
اذكر هذه النعم، قبل أن تذكر نعمة الله عليك بالأكل والشرب، ثم اذكر نعمة الله عليك بأنك تسيغ الأكل، ويسهل عليك، وتتلذذ به مذاقًا، وتتلذذ به مقرًا في المعدة، وتتلذذ به إخراجًا، نعمٌ عظيمة، ألم يكن في الناس من لا يستطيع أن يسيغ اللقمة أو التمرة؟ بلى، فاحمد الله.
[ ١٢ / ٣٥٦ ]
كذلك - أيضًا - من الناس من لا يتنعم بقرار الطعام في المعدة، ومن الناس من لا يتنعم بإخراج هذا الأكل بعد أن تفرقت الفائدة في الجسد، إذًا اذكر هذا.
إننا في الحقيقة - ونسأل الله أن يغفر لنا ويعفو عنا - نأكل كما تأكل الأنعام، أكثر ما نأكل تشهيًا فقط، دون أن نذكر هذه النعم التي بأيدينا، وليست من صنعنا، اللهم ذكِّرنا ما نسينا، وعلمنا ما جهلنا.
هذا الأكل الذي تدعو إليه الطبيعة، جعل الله ﷾ للموفقين فيه عبادات عند البدء به، وعند الانتهاء منه، وفي أثنائه، فأولًا: اذكر أنك تأكل امتثالًا لأمر الله؛ لأن الله أمرك فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف: ٣١]، ثانيًا: تأكل لتحفظ صحتك وعافيتك، حتى في العبادة إذا كنت مريضًا وخفت من الماء، فإنك تتيمم حفاظًا على الصحة، ووقاية للبدن من المرض، ثالثًا: تأكل لتقوى على طاعة الله، ولا سيما في السحور حيث قال النبي ﷺ: «تسحروا فإن في السحور بركة» (^١)، فيكون أكلك الذي تدعو إليه النفس والفطرة عبادة من أجلِّ العبادات.
ثم هناك عبادات مشروعة منها: التسمية عند الأكل، والتسمية عند الشرب، يقول صاحب الروض: «تسن التسمية» (^٢)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصوم/ باب بركة السحور من غير إيجاب (١٩٢٣)؛ ومسلم في الصيام/ باب فضل السحور وتأكيد استحبابه … (١٠٩٥) عن أنس ﵁.
(٢) الروض المربع مع حاشية ابن قاسم (٦/ ٤١٩).
[ ١٢ / ٣٥٧ ]
وهذا قول كثير من العلماء إن لم يكن أكثرهم، والصواب أن التسمية واجبة عند الأكل والشرب، وأن الإنسان يأثم بتركها لأمر النبي ﷺ بذلك، حيث قال لعمر بن أبي سلمة ﵁: «يا غلام سمِّ الله» (^١) مع أنه صغير، ولأن النبي ﷺ أخبر أن الإنسان إذا لم يسمِّ فإن الشيطان يشاركه في طعامه وشرابه (^٢)، وأتت جارية تُدفَع دفعًا، والنبي ﷺ جالس، حتى قعدت ومدت يدها لتأكل، ولكنها لم تسم، فأمسك النبي ﷺ بيدها وأمرها أن تسمي، وأخبر أن يد الشيطان ويد الجارية في يده (^٣) ﷺ، وهذا يدل على أن الشيطان يتحين الفرص أن يحضر مع من لم يحضر أول الأكل، فيأكل بلا تسمية، فالصواب أن التسمية واجبة.
قوله: «جهرًا» وهذا من أجل التعليم إذا كان معه أحد، ومن أجل إعلان هذا الذكر الذي يطرد به الشيطان إذا لم يكن معه أحد، فيقول: بسم الله.
وهل يزيد على ذلك بأن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم؟
الجواب: إن اقتصر على قول بسم الله فحسن، وإن زاد: الرحمن الرحيم فحسن أيضًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأطعمة/ باب التسمية على الطعام، والأكل باليمين (٥٣٧٦)، ومسلم في الأشربة/ باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما (٢٠٢٢) عن عمر بن أبي سلمة ﵄.
(٢) أخرجه مسلم في الأشربة/ باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما (٢٠١٨) عن جابر ﵁ ..
(٣) أخرجه مسلم في الأشربة/ باب آداب الطعام والشراب وأحكامها (٧/ ٢٠) عن حذيفة ﵁.
[ ١٢ / ٣٥٨ ]
إذا زاد الرحمن الرحيم فهذا حسن؛ لأن هذا تكملة البسملة، ففي القرآن الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم، لكنه قال ﵀: وأما زيادتها عند الذبح أي: الرحمن الرحيم - فقد ذكر بعض أهل العلم أنها غير مناسبة؛ لأنك ستفعل ما لولا أن الله أحله لك ما كان لك أن تفعله، وهو ذبح الحيوان، فلا يناسب ذكر هذين الاسمين عند الذبح.
وأما ما قاله بعض الإخوان: إنه يكره أن تقول: الرحمن الرحيم، فعجبٌ من هذا، كيف يتجرأ فيحكم بما ليس له به علم؟!
والذي يقول: الرحمن الرحيم، ما زاد إلا خيرًا؛ لأن من رحمة الله أن الله يسر لك هذا الأكل، فهي لا تنافي الحال، ولا تنافي الشرع، فلم يرد النهي، ولا يحل لإنسان أن يقول عن شيء: إنه يكره إلا بدليل؛ لأن الكراهة حكم شرعي تحتاج إلى دليل، أو إلى تعليل صحيح يشهد له النص.
وإذا كان الإنسان لا يحسن البسملة باللغة العربية، ويحسنها بلسانه فإنه يسمي بلسانه، وإذا كان أخرسَ لا ينطق أبدًا فبالإشارة، وإذا كان معه أناس وبدؤوا بالأكل جميعًا، فهل تكفي تسمية الواحد، أو لا بد أن يسمي كل إنسان بنفسه؟
الجواب: إن جاؤوا مرتبين، بحيث يأتي الإنسان ولم يسمع تسمية الأول، فلا بد أن يسمي، كما جاء في الحديث في قصة الجارية، وأما إذا كانوا بدؤوا جميعًا فالظاهر أن التسمية تكفي من واحد، لا سيما إذا نوى أنه سمى عن نفسه وعمن معه، ومع ذلك فالذي أختار أن يسمي كل إنسان بنفسه، وإن بدؤوا جميعًا.
[ ١٢ / ٣٥٩ ]
قوله: «والحمد إذا فرغ» أي: يسن الحمد إذا فرغ، فيقول: الحمد لله؛ لأن النبي ﷺ قال: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها» (^١)، ولا شك أن هذا من باب الشكر لله ﷿ على نعمه، أن يسر لك هذا الطعام، فاحمد الله على ذلك.
ولكن هل نقول: إذا فرغ من جميع الأكل، أو من كل أكلة، ومن كل شربة؟
الظاهر: الأول؛ لأن الأكلات، وإن تتابعت فهي أكلة واحدة، فإذا فرغ من أكله فليحمد الله.
مثال ذلك: رجل أمامه رز يأكله، فهل نقول: كلما أكلت لقمة قل: الحمد الله، أو السنة أن تحمد الله إذا فرغت نهائيًا؟
الجواب: الثاني.
كذلك - أيضًا - رجل يأكل تمرًا، فلا تقول له: احمد الله كلما أكلت تمرة، فما دامت أكلة واحدة، سم عند أولها، واحمد عند آخرها.
قوله: «وأكله مما يليه»، هذا إذا كان معه أحد، فإن من الأدب أن يأكل مما يليه، لقول النبي ﷺ لعمر بن أبي سلمة ﵄ وهو ربيبه: «وكل مما يليك» (^٢)، ولأن هذا من المروءة والأدب، لكن إذا كان وحده فله أن يأكل من أي جانب،
_________________
(١) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء/ باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب (٢٧٣٤) عن أنس ﵁.
(٢) سبق تخريجه ص (٣٥٨).
[ ١٢ / ٣٦٠ ]
ولكن لا يأكل من أعلى الصحفة؛ لأن البركة تنزل في أعلاها، فيأكل من الجوانب، ولا حرج.
واستثنى العلماء ﵏ إذا كان الأكل أنواعًا فلا بأس أن يأخذ مما لا يليه، وقد جاءت بذلك السنة، كما لو كان على الطعام لحم، فاللحم في الوسط، فله أن يتناول منه، وكذلك لو فرض أن المائدة فيها أنواع من الإدام، ويوجد نوع يلي صاحبه، ونوع لا يليه، فله أن يتناول منه، لكن هنا يحسن أن يستأذن؛ لأنه من كمال الأدب.
قوله: «بيمينه» يعني يسن أكله بيمينه لقول النبي ﷺ لعمر ابن أبي سلمة ﵂: «كل بيمينك»، وهذا الذي ذكره ﵀ هو المشهور من المذهب أن الأكل باليمين أفضل من الأكل باليسار.
والقول الراجح في هذه المسألة: أن الأكل باليمين واجب، ودليل هذا أن النبي ﷺ نهى عن الأكل بالشمال، وقال: «لا يأكل أحد بشماله، ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» (^١)، وقد نهينا عن اتباع خطوات الشيطان.
والعجب أن بعض السفهاء منا - معشر المسلمين - يرون أن الأكل بالشمال تقدم، فلا أدري كيف يرونه كذلك وهم إنما يقلدون الكفار بهذا الفعل الرديء ولا يستفيدون من سَبْقهم في الصناعات المفيدة، ولكن هذا من إملاء الشيطان ولا شك، فما دام الشيطان
_________________
(١) أخرجه مسلم في الأشربة/ باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما (٢٠٢٠) عن ابن عمر ﵄.
[ ١٢ / ٣٦١ ]
يأكل بشماله، فإنه يحب من بني آدم أن يتابعوه على هذا.
فالصواب أن الأكل بالشمال حرام إلا لعذر، وأكل رجل بشماله عند النبي ﷺ فنهاه وقال: «كل بيمينك»، قال: لا أستطيع، يعني لا يستطيع نفسيًا؛ لأنه ما منعه إلا الكِبْر - والعياذ بالله - فقال النبي ﷺ: «لا استطعت» فما رفع الرجل يمينه إلى فمه أبدًا (^١)؛ لأن الله - تعالى - أجاب دعاء النبي ﷺ؛ لأنه بحق، وهذا نوع من التعزير غريب، أن يعزر الإنسان بأن يدعى عليه بما يشبه معصيته؛ لأن التعزير والتأديب بأي نوع كان.
فإن قال قائل: إذا كان الإنسان يأكل طعامًا، وأراد أن يشرب، فإن أخذ باليمين تأثر الإناء بالطعام، وهذا ربما يكرِّه غيره أن يشرب به، فهل هذا يبيح للإنسان أن يشرب بالشمال؟
الجواب: لا؛ لأن المحرم لا يباح إلا للضرورة، وهذا ليس بضرورة، ويستطيع الإنسان أن يمسك هذا الإناء من أسفله، فإن كان كبيرًا يضعه على الراحة ويشرب، وإن كان كأسًا فهو سهل؛ لأن الكأس يمكن للسبابة والإبهام الإحاطة به، فيمسكه من الأسفل ويشرب.
على أننا في الوقت الحاضر يسر الله الأمر، وزالت هذه العلة نهائيًا بكؤوس البلاستيك، فهذا الكأس لا يشرب به غيرك؛ لأنه سيرمى، لكن هذا كله من وحي الشيطان يتحجج به بعض الناس.
_________________
(١) أخرجه مسلم في الأشربة/ باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما (٢٠٢١) عن سلمة بن الأكوع ﵁.
[ ١٢ / ٣٦٢ ]
قوله: «بثلاث أصابع» أي: ينبغي أن يأكل الطعام بثلاث أصابع: الإبهام، والوسطى، والسبابة، هذا إذا أمكن، لكن إذا كان لا يمكن الأكل بثلاث أصابع، كالرز - مثلًا - فإنه يأكل بما يمكن، وجاءت السنة بذلك؛ لأن الأكل بالأصابع كلها يدل على الشره والجشع، لا سيما إذا كان معه أحد.
والعجب أن بعض الناس استنبط من هذا النص أنه ينبغي أن يأكل اللحم بالشوكة، وغير اللحم بالملعقة، قال: لأنه يمسك الشوكة بثلاث أصابع، والملعقة بثلاث أصابع، سبحان الله! نحن لا يضرنا في الوقت الحاضر إلا الأفهام الخاطئة! فهذا لا يقال: أكل بالأصابع، وإنما بالشوكة وبالملعقة، والعلماء ﵏ مع قولهم إنه يأكل بثلاث أصابع قالوا: لا بأس بالأكل بالملعقة، قال شارح الإقناع: (وقد يؤخذ من قول الإمام أحمد ﵀ «أكره كل مُحدَث» أنه يُكره الأكل بالملعقة)؛ لأنها محدثة، ونحن لا نرى كراهة الأكل بالملعقة، لكن لا نرى أن الأكل بها يعني الأكل بثلاث أصابع.
فالصواب: أن الأكل بالملعقة لا بأس به، لا سيما مع دعاء الحاجة، وقد حدثني بعض الناس عن شخص له وزنه أنه كان مع جماعة كانوا يأكلون بالملعقة وهو يأكل بيده، فقالوا له: يا فلان لماذا لا تأكل بالملعقة؟ قال: أنا آكل بملعقة لا يأكل بها إلا أنا، وأنتم تأكلون بملعقة كل الناس يأكلون بها، أنا آكل بملعقة باشرتُ تنظيفها، وأنتم تأكلون بملاعق ما باشرتم تنظيفها، فربما يكون من نظفها نظفها جيدًا، وربما لم ينظفها، وهذا جواب
[ ١٢ / ٣٦٣ ]
جيد، لكن لكل امرئ من دهره ما تعودا، فنحن لا نستطيع أن ننكر الأكل بالملعقة، لكننا لا نقول: إنه هو السنة؛ لأنه أكل بثلاث أصابع.
قوله: «وتخليل ما علق بأسنانه»، لأن بقاء هذا بين الأسنان يضر بها، وباللثة، وربما يحدث به رائحة كريهة، ودفع المؤذي من الأمور المسنونة.
قوله: «ومسح الصحفة»، وهذا - أيضًا - مما جاءت به السنة، يعني أن تمسحها من بقية الطعام، وتلعق أصابعك أيضًا، قال النبي ﷺ: «فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة» (^١).
قوله: «وأكل ما تناثر» وهذا سنة أيضًا، ولكن بعد إزالة ما فيه من أذى، مثل لو سقطت تمرة، أو قطعة من الطعام، فخذها وامسح ما بها من أذى ثم كُلْها، قال النبي ﷺ: «ولا تدعها للشيطان» (^٢)، وهذا يدل على أن الشيطان يأكل ما تناثر إذا لم يؤكل، وأما إذا لم يمكن أكل ما تناثر فإنه يترك.
قوله: «وغض طرفه عن جليسه» وهذا - أيضًا - من الآداب، أن يغض طرفه عن جليسه الذي يأكل معه، فلا تجلس تنظر ما أكل هذا، وما أخذ هذا، وتجلس تراقبه من حين يأخذ الشيء حتى يضعه في فمه، فهذا ليس من الأدب، والناس كلهم ينتقدون هذا.
_________________
(١) أخرجه مسلم في الأشربة/ باب استحباب لعق الأصابع والصحفة … (٢٠٣٣) عن جابر ﵁.
(٢) أخرجه مسلم في الأشربة/ باب سابق (٢٠٣٣) (١٣٤) عن جابر ﵁.
[ ١٢ / ٣٦٤ ]
قوله: «وشربه ثلاثًا مصًّا» أي: سن أن يشرب بثلاثة أنفاس (^١)، لأن النبي ﷺ إذا شرب شرب مصًّا، وقال: «إنه أهنأ وأبرأ» (^٢)، ففيه ثلاث فوائد، وينبغي أن يكون ذلك مصًّا لا جرعًا؛ وذلك لأن الماء لا يشرب إلا عند الحاجة إليه، إذا عطش الإنسان، والعطش التهاب المعدة وحرارتها، فإذا جاءها الماء جرعًا فإنه يؤثر عليها؛ لأنه يصطدم البارد بالحار، فإذا صار مصًا صار الذي ينزل خفيفًا يسيرًا، ويكتسب حرارة من الفم إلى المعدة، فيرد على المعدة وهو ساخن مناسب لها.
ويكون ثلاثًا لقول النبي ﷺ: «فإنه أهنأ وأبرأ وأمرأ»، ولذلك يقول العارفون: إنك إذا وجدت شخصًا عطشان جدًا لا تعطيه الماء دفعة واحدة؛ لأنك إن فعلت فإنه يهلك، لكن أعطه شربة وجرعة واحدة، ثم تمهل قليلًا، ثم أعطه الثانية، وهكذا؛ لئلا يهلك.
وقوله: «مصًّا»، هذا بالنسبة للماء، وأما اللبن والمرق وما أشبههما فإنه يُعب عبًا، والفرق بينهما ظاهر؛ لأن الماء جاف، وليس فيه دهونة، ولا شيء مناسب للمعدة، فكان الأولى أن يأتيها شيئًا فشيئًا، بخلاف اللبن وشبهه فتعبه عبًّا، ولكن بثلاثة أنفاس.
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأشربة/ باب الشرب بنفسين أو ثلاثة (٥٦٣١)؛ ومسلم في الأطعمة/ باب كراهة التنفس في نفس الإناء … (٢٠٢٨) عن أنس ﵁.
(٢) أخرجه البيهقي (١/ ٤٠) عن ربيعة بن أكثم ﵁.
[ ١٢ / ٣٦٥ ]
قوله: «ويتنفس خارج الإناء» فيكره أن يتنفس في الإناء، يعني لو فرض أن رجلًا نفسه قليل، ولا يصبر عن النفس، وأراد أن يتنفس، فليَبِنْ الإناءَ عن فمه ثم يتنفس.
قوله: «وكره شربه من فم سقاء» لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك (^١)، ولأنه قد يكون في السقاء أشياء مؤذية لا يدري عنها، فإذا صب الماء في الإناء فإنه ينظر إلى الماء، هل فيه أشياء مؤذية أو لا؟ ومما يؤذي «العلقة»، وهي دودة حمراء تتغذى من الماء، فإذا شرب الإنسان من ماء فيه علقة، ودخلت إلى جوفه، فأحيانًا تلصق على جدار المريء، أو ما قبله، وأحيانًا تنزل إلى المعدة، فتلتصق به وتعضه وتتغذى منه، ثم تكبر وتتضخم حتى تسد النَّفَس تمامًا، ولهذا أحيانًا قد يهلكون بها.
قوله: «وفي أثناء طعام بلا عادة» أي: يكره الشرب في أثناء الطعام بلا عادة، فإن كان الإنسان اعتاد هذا فلا بأس، قال بعضهم: ويكره - أيضًا - بعد الطعام مباشرة بلا عادة.
وقوله: «بلا عادة» يفهم منه أن المسألة ترجع إلى ناحية طبية، قالوا: لأن الشرب أثناء الطعام يفسده، وتزول به منفعته، وكذلك إذا شرب مباشرة، فإذا كان قد اعتاد هذا فإنه لا يضره.
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأشربة/ باب الشرب من فم السقاء (٥٦٢٧) عن أبي هريرة ﵁.
[ ١٢ / ٣٦٦ ]
وقال بعضهم أيضًا: إنه إذا شرب أثناء الطعام فإنه يشعر أن معدته كالسقاء ترجرج، أما إذا كان هناك عادة، فالعادات لها طبائع ثابتة، فكثير من الناس لا يهمه أن يشرب أثناء الطعام، أو بعده مباشرة فلا يضره؛ لأنه معتاد.
ثم إن الطعام إذا كان حارًا والماء باردًا، صار هناك مضرة من جهة أخرى، وهي ورود البارد على الحار، ومعلوم أن الحار يوجب تمدد العروق والجلد، فإذا جاء البارد تقلص بسرعة فيكون في ذلك خطر.
قوله: «وإذا شرب ناوله الأيمن» اقتداء بالنبي ﷺ (^١)، وهذا إذا كان الإناء واحدًا، أما إن كان لكل واحد إناء، فالأمر واضح.
ولكن إذا دخل الساقي بمن يبدأ؟ هل يبدأ بمن هو عن يمينه أول ما يدخل، أو بالذي أمامه؟
نقول: يبدأ بالأكبر كما جاءت به السنة، ولا يبدأ بمن هو عن يمينه من عند الباب، وبه نعرف أن ما يفعله بعض الناس إذا دخل صافح كل من في المجلس من أول واحد عن اليمين إلى آخر واحد عن اليسار، أن هذا ليس من السنة، لا من جهة المرور
_________________
(١) أخرجه البخاري في المساقاة/ باب من رأى صدقة الماء … (٢٣٥٣)؛ ومسلم في الأشربة/ باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما … (٢٠٢٩) عن أنس ﵁.
[ ١٢ / ٣٦٧ ]
بالناس ومصافحتهم، ولا من جهة أنه يبدأ من جهة اليمين الذي عند الباب، وهو أصغر القوم.
أما الأول فمن المعروف أن النبي ﷺ كان إذا دخل جلس حيث ينتهي به المجلس (^١)، ولا يمر على الناس يسلم عليهم.
وأما الثاني فلأن النبي ﷺ كان معه مسواك يتسوك به، فأراد أن يناوله الأصغر، فقيل له: كبِّر، فأعطاه الأكبر (^٢)، وعلى هذا فإذا كان الإنسان مقبلًا على الناس يبدأ بالأكبر، أما إذا كان بيده إناء وأراد أن يناوله فيبدأ باليمين، فإذا كان عن يمينه واحد، وعن يساره واحد فيعطي الأيمن.
قوله: «ويسن غسل يديه قبل طعام» أي: يسن أن يغسل يديه قبل الطعام، وهذه المسألة مختلف فيها، هل من السنة أن يغسل يديه قبل الطعام مطلقًا، أو إذا كان هناك حاجة؟
الظاهر التفصيل، فإذا كان هناك حاجة فاغسل يديك، ومن الحاجة أن تكون قد لمست شيئًا تتلوث به يدك، أو كثر سلام الناس عليك، فأحسست برائحة كريهة، فهنا الأفضل أن تغسل يديك، وإلا فلا حاجة.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٥٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ١٥٦) عن الحسين عن أبيه ﵄، وانظر: مجمع الزوائد (٨/ ٢٧٧).
(٢) أخرجه البخاري في الوضوء/ باب دفع السواك إلى الأكبر (٢٤٦)؛ ومسلم في الرؤيا/ باب رؤيا النبي ﷺ (٢٢٧١) عن ابن عمر ﵄.
[ ١٢ / ٣٦٨ ]
قوله: «متقدمًا به ربُّه» يعني أن الذي يتقدم في غسل يديه هو رب البيت.
قوله: «وبعده متأخرًا به ربُّه» أي: أنه في آخر الطعام يكون رب البيت آخر الناس غسلًا ليديه. وهذه راجعة للعرف والمروءة، وفي وقتنا، فالغالب أن رب البيت لا يشارك الناس.
قوله: «وكره رد شيء من فمه إلى الإناء»، لأن هذا خلاف المروءة، ويُكرِّه الطعام للناس، والإنسان ينبغي له أن يتعامل معاملة طيبة مع الناس، ويتأدب بالأدب الرفيع.
أما إذا كانت ثمرة أو لقمة فهي أشد وأشد، ومن ذلك أيضًا أن يأخذ قطعة اللحم يريد أكلها، فيجدها قاسية فيردها في الإناء، فهذا مكروه وخلاف المروءة.
قوله: «وأكله حارًا» أي: يكره أكل الحار الشديد، والذي تتألم منه المعدة، والطعام يمر على ثلاثة أشياء: اليد، والفم، والمعدة، فاليد تحس بالحر أكثر؛ لأنها لم تتعود على الحار، فأحيانًا يكون الطعام حارًا في اليد، ويدخله الإنسان في فمه فما يتأثر، وبعض الناس إذا كان الطعام حارًا في الفم وتأثر به، أنزله بسرعة إلى المعدة، وهذا غلط؛ لأن هذا يوجب أن تنصهر المعدة ويحدث فيها قرحة، ولهذا أرى أن صاحب البيت إذا رأى أن الطعام حار، فإنه يصبرحتى يبرد، ثم يقدمه للضيوف؛ لئلا يضرهم وهم لا يشعرون.
قوله: «أو من وسط الصحفة»، كذلك يكره أن يأكل من
[ ١٢ / ٣٦٩ ]
وسط الصحفة؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، وقال: «إن البركة تنزل في أعلاها» (^١).
قوله: «أو أعلاها» الغالب أن الأعلى هو الأوسط، وإذا كانت سواء، كما في صحون الرز فلا يأكل من الوسط.
قوله: «وفعله ما يستقذره من غيره» هذه مهمة جدًا، والمعنى أنك لو فعل غيرك هذا لرأيته قذرًا، فلا تفعل مثله، وهذا مأخوذ من قول الرسول ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (^٢)، ومن قوله ﷺ: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» (^٣).
قوله: «ومدح طعامه وتقويمه» أي: أن هذا مكروه؛ لأنه يمنُّ به على الضيف.
قوله: «وعيب الطعام» أي أنه مكروه، وكان النبي ﷺ لا يعيب الطعام، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه (^٤) أما أن تعيبه وتقول: طعامك مالح! وشايك مر! وتمرك حشف! فهذا مكروه،
_________________
(١) أخرجه أبو داود كتاب الأطعمة/ باب ما جاء في الأكل من أعلى الصحفة (٣٧٧٢).
(٢) أخرجه البخاري في الإيمان/ باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه (١٣)؛ ومسلم في الإيمان/ باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه (٤٥) عن أنس ﵁.
(٣) أخرجه مسلم في المغازي/ باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول (١٨٤٤) عن عبد الله بن عمرو ﵄.
(٤) أخرجه البخاري في المناقب/ باب صفة النبي ﷺ (٣٥٦٣)؛ ومسلم في الأطعمة/ باب لا يعيب الطعام (٢٠٦٤) عن أبي هريرة ﵁.
[ ١٢ / ٣٧٠ ]
أما إن أراد أن يعيبه عند أهله حتى لا يعودوا لمثل ذلك، فهذا جائز، بل هو من التعليم، وهنا لم يعب الطعام، ولكن عاب صنعة أهله.
قوله: «وقِران في تمر» أي: يكره أن يأكل تمرتين جميعًا.
قوله: «مطلقًا» أي سواء كان معه مشارك أم لا، وبعض العلماء يقول: إن لم يكن معه مشارك فهو حر، يقرن بين اثنتين أو ثلاث، أما إن كان معه أحد فيكره ذلك؛ لأنه سيأكل أكثر من صاحبه، فيكون في ذلك ظلم.
وأما كراهته إذا كان وحده فلأنه يدل على الشره، وأيضًا ربما غص بذلك فيتضرر.
وقوله: «تمر» احترازًا مما دون التمر، كالعنب والفستق، فإنه يجوز القران فيه، إلا إذا كان معه أحد يضيق عليه، فلا يفعل.
قوله: «وأن يفجأ قومًا عند وضع طعامهم تعمدًا»، وهذا ما يسمى بالطفيلي، فإذا ظن أنهم قدموا الطعام فاجأهم حتى لا يستطيعوا أن يقولوا له شيئًا.
فمثل هذا يكره؛ لأنه أولًا: دناءة، وثانيًا: إن فيه إحراجًا لأهل البيت.
أما إذا كان عن غير عمد، كإنسان أراد أن يزور صاحبه، فدخل ووجدهم على الطعام فهذا لا بأس به.
قوله: «وأكله كثيرًا بحيث يؤذيه» أي: أن ذلك يكره، وعلامة الأذى أن يضيق النفَس، ويتعب عند القيام، والاضطجاع، وما أشبه ذلك.
[ ١٢ / ٣٧١ ]
واختار شيخ الإسلام ﵀ أن هذا حرام، وهو الصواب، فلا يجوز للإنسان أن يأكل أكلًا يؤذيه.
قوله: «أو قليلًا بحيث يضره» الأكل القليل ينظر، إذا كان البدن يتغذى به فهذا خير؛ لقول النبي ﷺ: «بحسب ابن آدم لُقيمات يُقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» (^١).
فكونك تأكل قليلًا، ثم تعود إلى الأكل قريبًا أحسن من كونك تأكل كثيرًا ثم تتأخر إلى العودة إلى الأكل، ولهذا نسمع عن بعض الأمم أنهم يأكلون قليلًا، ثم يرجعون إلى الأكل عن قرب، فتجدهم يأكلون في اليوم والليلة خمس مرات، ويقولون: هذا أصح للبدن، وما هذا ببعيد؛ لأن الحديث السابق يدل عليه؛ لأنه إذا صار الطعام قليلًا كان هضمه من المعدة بيسر وسهولة، ولا يشق عليها، وإذا هضمته وطلبت طعامًا فكل، فلن يضرك، ولكن أكثر الناس لا يقدر على هذا، فإذا جلس على الطعام لا بد أن يملأ البطن، وهذا أحيانًا لا بأس به، أي: أن تملأ بطنك بالطعام حتى لا تجد مكانًا للطعام، كما جاء ذلك في حديث أبي هريرة ﵁ فقد كان فقيرًا، وكان يصحب النبي ﷺ على شبع بطنه، وفي يوم من الأيام خرج الناس من المسجد، فجعل إذا لقي أحدًا يسأله: ما الذي بعد آية كذا؟ وهو يريد بذلك: أن يدعى من أحدهم، ولكن لم يدعه أحد إلى بيته، حتى
_________________
(١) أخرجه الترمذي في الزهد/ باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل (٢٣٨٠)؛ وابن ماجه في الأطعمة/ باب الاقتصاد في الأكل وكراهة الشبع (٣٣٤٩) عن المقدام بن معد يكرب ﵁، وقال الترمذي: حسن صحيح.
[ ١٢ / ٣٧٢ ]
خرج رسول الله ﷺ قال: فلما رآني تبسم؛ لأنه عرف أن به جوعًا، قال: فذهبت معه، فجيء إليه بقدح من لبن، فقال لي: «ادع أهل الصفة» يريد أن يسقيهم من اللبن، فقال أبو هريرة في نفسه: إذا دعوت أهل الصفة فماذا يبقى لي؟! ولكن لا بد لي من امتثال أمر الرسول ﷺ، فذهب ودعاهم، وكانوا أحيانًا يبلغون ثمانين رجلًا، فجاءوا وشربوا كلهم من هذا الإناء، وبقي فيه شيء، وكان أبو هريرة ﵁ هو ساقيهم، فقال له النبي ﷺ: «اشرب أبا هر»، فشرب، ثم قال له: «اشرب»، فشرب، حتى ما وجد مكانًا للبن في بطنه، فقال: والله يا رسول الله لا أجد له مساغًا، فأخذ العلماء من هذا أنه يجوز للإنسان أن يملأ بطنه من الطعام، لكن أحيانًا.
وانظر إلى البركة فهذا الإناء كفى أهل الصفة، وأبا هريرة، وبقيت فيه بقية، وكان يقول: إن الناس يقولون لي: أبا هريرة، وإن النبي ﷺ سمَّاني أبا هر (^١)، والأحسن أبو هر؛ لأنه مكبر، ولأنها تسمية النبي ﷺ له، ولهذا كان علي بن أبي طالب ﵁ أحسن الألقاب عنده أبو تراب، لأنه كان نائمًا يومًا في المسجد، وقد علق التراب بجسمه، فجعل النبي ﷺ يمسح عنه التراب، ويقول له: «قم أبا تراب» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الرقاق/ باب كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه … (٦٤٥٢) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي ﷺ/ باب مناقب علي بن أبي طالب (٣٧٠٣)؛ ومسلم في الفضائل/ باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁ (٢٤٠٥) عن سهل بن سعد ﵁.
[ ١٢ / ٣٧٣ ]
وقال صاحب الحاشية (^١): «وليس من السنة ترك أكل الطيبات» وهذا صحيح، بل من السنة أكل الطيبات، فقد جيء إلى النبي ﷺ بتمر طيب، فسأل عن مصدره، فقالوا: كنا نأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة (^٢)، ولم ينكر عليهم أكل الطيب، ولكن أنكر عليهم الربا، وأقرهم على أنهم يختارون له الطيب.
وقال أصحاب الكهف: ﴿﴾ [الكهف: ١٩]، فالتورع عن أكل الطيبات خلاف سنة الأولين والآخرين، لكن إن لزم من أكل الطيبات الخروج إلى حد الإسراف، فحينئذٍ يمنع، لا لأنه أكل من الطيبات، ولكن لأجل السرف.
قوله: «ومن السرف أن يأكل كل ما اشتهى» سبحان الله! هذا ليس من السرف، بل هو من التنعم بنعم الله ﷿، نعم لو اختار أشياء غالية لا تليق بمثله فهذا صحيح، فكلام المؤلف فيه نظر.
قوله: «ومن أذهب طيباته في حياته الدنيا، واستمتع بها، نقصت درجاته في الآخرة للأخبار»، لا شك إذا تلهى بطيبات الدنيا عن أعمال الآخرة، فلا شك أن ذلك ضرر عظيم.
_________________
(١) حاشية ابن قاسم على الروض المربع (٦/ ٤٢٤).
(٢) أخرجه البخاري في البيوع/ باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه (٢٢٠١) (٢٢٠٢)؛ ومسلم في المساقاة/ باب بيع الطعام مثلًا بمثل (١٥٩٣) (٩٥) عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄.
[ ١٢ / ٣٧٤ ]
قوله: «وكره نفض يده في القصعة» لأنه يقذرها على الناس، حتى لو قال: أنا أنفضها في جهتي؛ لأن الطعام كالرز ينتشر في القصعة.
قوله: «وأن يقدم إليها رأسه عند وضع اللقمة في فمه»، هذا أيضًا مكروه؛ لأنه دناءة.
قوله: «وأن يغمس اللقمة الدسمة في الخل» الخل عبارة عن ماء يوضع فيه زبيب أو تمر ليحليه، فإذا وضع فيه اللقمة الدسمة تلطخ بالدسم، فأفسده على الناس.
قوله: «أو الخل في الدسم فقد يكرهه غيره» وهذا كذلك؛ إلا إذا كان الخل في إناء خاص به، والدسم كذلك إذا كان في إناء خاص به، فإذا غمس فيه الخبز وفيه دسم فإنه لا يكره؛ لأنه لن يفسده على أحد، ومثله الشاي لو غمست فيه الخبز المدهون فيظهر أثر الدهن فيه، فلا بأس؛ لأن كل واحد يشرب في إناء خاص.
فإذا قال قائل: المؤلف ﵀ جزم بالكراهة في هذه الأمور، فهل في كل واحد منها سنة مخصوصة؟
فالجواب: لا نعلم، ولكن هنا شيء عام يدل على كراهة هذه الأشياء، وهو قول النبي ﷺ: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت» (^١)، وقوله ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها
_________________
(١) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء/ باب (٣٤٨٣) عن أبي مسعود ﵁
[ ١٢ / ٣٧٥ ]
إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (^١)، وكل ما يخالف المروءة، فهو مخالف للحياء.
قوله: «وينبغي أن يحول وجهه عند السعال والعطاس عن الطعام» السعال، أي: الكحة، فينبغي أن يبعد وجهه عن الطعام لئلا يخرج شيء من الريق، ويقع في الطعام وهذا حق، والعطاس من باب أولى.
ولكن قوله: «أن يحول وجهه» أي يصرفه عند العطاس هذا غلط؛ لأنهم يقولون: إن هذا خطر عظيم على الأعصاب؛ لأنه كما هو معلوم العطاس يهز البدن كله، فلو التفت أثناء العطاس ربما اختلفت أعصاب الرقبة، ولهذا كره الأطباء أن ينحرف الإنسان عند العطاس، ولكن يفعل كما قال المؤلف: «يبعد عنه، أو يجعل على فيه شيئًا» وهذا من الآداب أن يغطي الإنسان وجهه عند العطاس، فيضع غترته أو ما أشبه ذلك على وجهه إذا أمكن.
قوله: «لئلا يخرج منه ما يقع في الطعام» وهذا سبق.
قوله: «ويكره أن يغمس بقية اللقمة التي أكل منها في المرقة» كإنسان أكل قطعة من خبز، ثم غمسها في المرق، فيكره، إلا إذا كان لا يأكل معه أحد فلا حرج.
قوله: «ويستحب للآكل أن يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى، أو يتربع» فيجلس على اليسرى وينصب اليمنى
_________________
(١) أخرجه مسلم في الإيمان/ باب بيان عدد شعب الإيمان … (٣٥) عن أبي هريرة ﵁؛ وأخرجه البخاري في الإيمان (٩) بلفظ: «الإيمان بضع وستون شعبة».
[ ١٢ / ٣٧٦ ]
بساقها وفخذها؛ لئلا يتوطن كثيرًا فيأكل كثيرًا، أو يتربع، ولكن ابن القيم ﵀ ذكر في «زاد المعاد» أن التربع مكروه، وأنه داخل في قول النبي ﷺ: «لا آكل متكئًا» (^١)، وعلل ذلك بأن المتربع مستوطن أكثر، فربما يأكل كثيرًا.
والجواب: عن هذا أن يقال: الحديث لا يدل على هذا، فالتربع ليس اتكاء، ومسألة أنه إذا تربع أكثرَ من الطعام هذه ترجع إلى الإنسان، ربما حتى لو جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى ربما يكثر من الطعام، فالظاهر أن التربع لا يكره.
قوله: «وينبغي لمن أكل مع جماعة أن لا يرفع يده قبلهم حتى يكتفوا» خصوصًا إذا كان كبير القوم، أو صاحب البيت، فلا تقم قبلهم؛ لأنك إذا قمت قبلهم ربما يقومون حياء، وهم لم يشبعوا، فكن آخر شخص.
وكان الناس فيما سبق يبالغون في هذا غاية المبالغة، حتى إذا قام صبي من خمسين رجلًا على المائدة قاموا جميعًا، ولكن أخيرًا صار لا يقوم الإنسان إلا إذا شبع، ويعبرون عن هذه العادة بقولهم: سعودية؛ لأن أول من سنها - كما قيل - الملك عبد العزيز ﵀، واقترح علينا بعض الناس في مجلس في الرياض أن تكون سعودية في المبتدى والمنتهى، فالناس إذا حضروا على المائدة لا يبدأون حتى يتكاملوا ويحضروا جميعًا، فيتأخرون كثيرًا، فلماذا لا نقول: سعودية في الأول، فمن جلس أكل؟
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأطعمة/ باب الأكل متكئًا (٥٣٩٨) عن أبي جحيفة ﵁.
[ ١٢ / ٣٧٧ ]
وهذا الاقتراح أعجبني في الواقع، ولا يعد خلافًا للمروءة كما قال الشاعر (^١):
وإن مُدت الأيدي إلى الزاد لم أكن
بأعجلهم إذ أجشع الناس أعجل
لأنه إذا صارت عادة لم تكن جشعًا.
قوله: «وأن يخرج مع ضيفه إلى باب الدار» أي: يستحب ذلك، وهذا - أيضًا - حسب العادة، فإذا كان الضيف ممن يرى أنه أهل لأن يصحب إلى الباب فليكن، وإلا فلا حاجة.
قوله: «ويحسن أن يأخذ بركابه» هذا إذا جاء على بعير، فيأخذ بركابه حتى يسهل الركوب، وفي الوقت الحاضر يفتح له باب السيارة.
قوله: «وينبغي للضيف - بل لكل أحد - أن يتواضع في مجلسه» وضد التواضع شيئان:
الأول: الكبر، وهذا حرام، بل من كبائر الذنوب، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: ١٨].
الثاني: أن لا يكون متكبرًا ولا متواضعًا، بل طبيعيًا، وهذه حال جائزة، لكن الأفضل أن يكون متواضعًا.
وهل من التواضع أن يقدم اللحم لجليسه كما يفعل بعض الناس؟
هذه - أيضًا - ترجع إلى العادات، فإذا جرت العادة بأن هذا من باب التواضع والإكرام فافعل، وإلا فلا تفعل، وكذلك لو قال لك جليسك: كف عن هذا، فلا تحرجه، ودعه يأخذ كما يريد.
_________________
(١) الشنفري في ديوانه ١/ ٢.
[ ١٢ / ٣٧٨ ]
قوله: «وإن عيَّن له صاحب البيت مكانًا لم يتعده».
هذا من الأدب، فإذا قال له صاحب البيت: تفضل اجلس هنا، فلا يقول: لا، وإذا كان رجلًا شريفًا، وذا مكانة، وأجلسه في مكان لا يليق به فله أن يرفضه؛ لأنه ما أكرمه، فلا كرامة له، وإذا قال للداخل: اجلس هنا - أي: في صدر المجلس - ولكن أحب هذا الداخل أن يجلس في مكان آخر يكون قريبًا من جميع الحضور، فهل يعصي صاحب البيت، ونقول: لا بأس؟ أو نقول: أنت داخل بإذن من صاحب البيت، فليس لك أن تجلس في مكان غير الذي عينه لك؟
الجواب: الثاني، ولكن إذا رأى من المصلحة أن يجلس وسط الناس دون المقدم فليستأذن.
[ ١٢ / ٣٧٩ ]