قوله: «تسن» هذا حكمها، أي: أنها مندوبة، وهذا هو القسم الرابع من أقسام الوليمة، وهي وليمة العرس لأول مرة، والدليل على ذلك سنة الرسول ﵊ القولية والفعلية.
فأما القولية فقوله لعبد الرحمن بن عوف ﵁: «أولم» (^١)، وهذا فعل أمر، وأقل أحوال الأمر الاستحباب.
وأما الفعلية فقد ثبت عن النبي ﵊ أنه أولم على نسائه.
وقيل: واجبة؛ للأمر بها في حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ السابق، والجمهور يرون أنها سنة، وقالوا: الذي صرف الأمر عن الوجوب أنه طعام بمناسبة سرور حادث، وهذا لا يقتضي الوجوب؛ لأنه ليس دفع ضرورة كالنفقة فتجب، وليس دفعًا لزكاة، أو نذرًا فيجب، وإنما هو سرور فلا يكون واجبًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري في البيوع/ باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ (٢٠٤٩)؛ ومسلم في النكاح/ باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد … (١٤٢٧) عن أنس ﵁.
[ ١٢ / ٣٢٠ ]
والحكمة منها إعلان النكاح، وإظهاره حتى يتميز عن السفاح، وإطعام للفقراء، وصلة للأقارب والأرحام، وما يحدث فيها من السرور، يكون جبرًا لخاطر الزوجة، وأوليائها وغير ذلك.
وهي مشروعة في حق الزوج؛ لأن النبي ﷺ قال لعبد الرحمن بن عوف ﵁: «أولم» ولم يقل لأصهاره: أولموا، ولأن النعمة في حق الزوج أكبر من النعمة في حق الزوجة؛ لأنه هو الطالب الذي يطلب المرأة، ويندر جدًا أن المرأة تطلب الرجل.
قوله: «بشاة بأقل»، فتسن لكن بقدر لا يزيد على شاة، بخبز، بحيس، بتمر، وما أشبه ذلك.
وقال بعض أهل العلم: إن الوليمة من النفقة الراجعة للعرف، فتسن بما يقتضيه العرف، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، لكن بشرط أن لا تصل إلى حد المباهاة والإسراف، فإذا وصلت إلى حد الإسراف والمباهاة صارت محرمة أو مكروهة.
وقوله: «بشاة فأقل»، الدليل أن النبي ﷺ قال: «أولم ولو بشاة»، والحديث لا يدل على ما قالوا، بل يدل على أن أقل شيء شاة، ولم يأت هذا التعبير في اللغة العربية مرادًا به بيان الأكثر، وإنما يأتي في اللغة العربية مرادًا به الأقل، فالصواب أنها للغني ولو بشاة؛ فإن كان غناه كبيرًا يجعل شاتين، أو ثلاثًا، حسب حاله والعرف، ولكن بشرط أن لا يخرج إلى حد الإسراف والمباهاة، فالإسراف محرم، والمباهاة مكروهة.
[ ١٢ / ٣٢١ ]
قوله: «وتجب في أول مرة إجابة مسلم يحرم هجره إليها إن عينه ولم يكن ثم منكر»، انتقل المؤلف من بيان حكم الوليمة إلى بيان حكم الإجابة إليها إذا دُعي.
فقوله: «تجب» فعل مضارع فاعله قوله: «إجابة»، وفي هذا إشارة إلى أنه لا بد أن يكون هناك دعوة، وإلا فلا تجب الإجابة.
وقوله: «أول مرة» أي صنعت أول مرة، احترازًا من الثانية، والثالثة، والرابعة … إلخ.
وقوله: «مسلم» احترازًا من الكافر، فالكافر لا تجب إجابته، فلو كان عندك جار من الكفار، وحصل عنده زواج، ودعاك إلى وليمته، فإن إجابته لا تجب، ولكنها تجوز؛ لأن إجابة دعوة الكافر جائزة، إلا فيما يقصد به الشعائر الدينية، فإنه تحرم الإجابة إليه، مثل أعيادهم؛ لأن إجابته لها معناه الرضا بها، وهي تفعل على سبيل التدين، فكأنه رضي بدينهم وأقره، ولهذا - باتفاق أهل العلم - لا يجوز تهنئتهم بها، لأن الرضى بشعائر الكفر أمره عظيم، والعياذ بالله.
وأما مناسباتهم غير الدينية كالولد والزواج، فمن أهل العلم من يقول: إن تهنئتهم بها جائزة، بشرط أن يكون في ذلك مصلحة، أو دفع مضرة، أو أنهم يفعلون ذلك بنا فنكافئهم عليه، وأما تشييع جنائزهم فلا يجوز.
وقوله: «يحرم هجره»، أفادنا أن من المسلمين من لا يحرم هجره؛ وذلك أن الهجر ينقسم إلى أقسام:
[ ١٢ / ٣٢٢ ]
القسم الأول: من يجب هجره، وذلك كصاحب البدعة الداعي إلى بدعته، إذا لم ينتهِ إلا بالهجر، فإنه يجب علينا أن نهجره وجوبًا؛ لأن في الهجر فائدة، وهو ترك الدعوة إلى البدعة، فإذا وجدنا شخصًا يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن، أو إلى أن الله - تعالى - في كل مكان وجب علينا أن نهجره، فلا نسلم عليه، ولا نرد عليه¬ السلام، ولا نجيب دعوته، ولا نتحدث إليه حديث الصديق؛ لأن هجره هنا فيه مصلحة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر بهجر من فعل محرمًا، كما في قصة كعب وصاحبيه ﵃ (^١)، وفاعل المحرم أهون ممن يدعو إلى البدعة؛ لأن البدعة تستمر بالدعوة إليها، وفاعل المحرم فَعَلَه وانتهى.
القسم الثاني: من هجره سُنة، وهو هجر فاعل المعصية التي دون البدعة، إذا كان في هجره مصلحة، كهجر إنسان يحلق لحيته، فإذا رأينا شخصًا قد أصر على ذلك، وكان في هجره مصلحة، وهو الرجوع إلى حظيرة السنة، فالهجر هنا سنة حتى يرجع، وكذلك يقال في شارب الدخان، والموظف في جهات ربوية، ولا نقول: إنه واجب؛ لأننا لا نتحقق به ترك المحرم، فلو تحققنا به ترك المحرم لكان الهجر واجبًا.
إذًا هنا الهجر سنة بشرط المصلحة، فإن لم يكن في هجره مصلحة فإنه لا يهجر؛ لأن الأصل أن هجر المؤمن حرام
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي/ باب حديث كعب بن مالك (٤٤١٨)؛ ومسلم في التوبة/ باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه (٢٧٦٩) عن كعب بن مالك ﵁.
[ ١٢ / ٣٢٣ ]
لقوله ﷺ: «لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة» (^١)، فإن لم يكن مصلحة صار الهجر حرامًا، إذ لا يحصل منه إلا عكس ما نريد، وأما ما يفعله بعض الإخوة المستقيمين الغيورين على دينهم من هجر أهل المعاصي مطلقًا فغلط، ومخالف للسنة، لقول النبي ﷺ: «لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة»، وفاعل المعصية أخ لك مهما فعل من الكبائر، إلا إذا كفر، وعلى هذا فلا يجوز هجر أهل المعاصي إلا لوجود المصلحة.
القسم الثالث: هجر مباح وهو ما يحصل بين الإنسان وأخيه بسبب سوء تفاهم، وهو مقيد بثلاثة أيام فأقل.
والقول الراجح أن الهجر لا يجب، ولا يسن، ولا يباح إلا حيث تحققت المصلحة، فإذا كان هناك مصلحة هجرنا وإلا فلا؛ لأن الهجر إما دواء وإما تعزير، فإن كان من أجل معصية مستمرة فهو دواء، وإن كان من أجل معصية مضت وانتهت فهو تعزير، فيحرم أن يهجر أخاه المؤمن ما لم يصل إلى الكفر، والدليل على ذلك عمومات الأدلة الدالة على حقوق المسلم على المسلم، والمؤمن لا يخرج من الإيمان بمجرد الفسوق والعصيان عند أهل السنة والجماعة، ولذلك الأصل تحريم هجر المؤمنين، ولو فعلوا المعصية وتجاهروا بها؛ لأنهم مؤمنون، وقد قال النبي ﷺ: «وحق المسلم على المسلم ست، ومنها: إذا لقيته فسلم عليه» (^٢)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب/ باب الهجرة … (٦٠٧٧)؛ ومسلم في الأدب/ باب تحريم الهجر فوق ثلاثة أيام بلا عذر شرعي (٢٥٦٠) عن أبي أيوب الأنصاري.
(٢) أخرجه البخاري في الجنائز/ باب الأمر باتباع الجنائز (١٢٤٠)؛ ومسلم في الآداب/ باب من حق المسلم على المسلم رد السلام (٢١٦٢) (٥) عن أبي هريرة ﵁، واللفظ لمسلم.
[ ١٢ / ٣٢٤ ]
فقال: حق المسلم، ولم يقل: حق المؤمن؛ لأن الإسلام أوسع من الإيمان، لكن إذا كان في الهجر مصلحة فإنه إما أن يسن، وإما أن يجب، حسب ما تقتضيه المصلحة، وحسب عظم الذنب، فإذا كان هذا الرجل الحالق للحية إذا هجرناه ارتدع، وصار يمشي بين الناس غريبًا، لا يُسلم عليه، ولا يرد سلامه، فيخجل ويعفي لحيته، كان هجره سنة أو واجبًا؛ لأن هجره مفيد، أما إذا كان هذا الرجل إذا هجرناه ازداد شره، ونفر من أخيه المؤمن، وحصلت الوحشة بينهما، فلا يسن الهجر هنا، بل لا ينبغي، والمسبل لثيابه مجاهر بالمعصية، والذي يبدو لنا أنه أعظم من حلق اللحية؛ لأنه متوعد عليه، فهو من كبائر الذنوب، وأعظم من شرب الدخان، مع أن شرب الدخان الآن أكثر من حلق اللحية والإسبال.
المهم أن المذهب يقسمون الهجر إلى ثلاثة أقسام: واجب، وسنة، ومباح، ولكن الصحيح عندنا أنه لا ينقسم إلى هذه الأقسام، وأن الأصل في الهجر التحريم، إلا إذا كان فيه مصلحة.
هذا بالنسبة لمن كان مسلمًا، أما غير المسلمين فلا يبدؤون بالسلام، سواء كانوا غير منتسبين للإسلام، كأن يصرحوا بأنهم نصارى، أو يهود، أو وثنيون، أو كانوا منتسبين للإسلام لكن بدعتهم تخرجهم من الإسلام؛ لأن الرسول ﵊ يقول في أهل الكتاب: «لا تبدأوا اليهود والنصارى
[ ١٢ / ٣٢٥ ]
بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه» (^١)، لكن إن سلم علينا نرد عليه، فإن قال: السلام عليكم، قلنا: وعليكم السلام، وإن قال: السام عليكم، قلنا: وعليكم.
ففي المسألة ثلاثة احتمالات:
إن سلم سلامًا صريحًا، رددنا سلامًا صريحًا، وإن قال: السام عليكم، قلنا: وعليكم، كما قال النبي ﷺ (^٢)، وإن قال: السام عليكم، وأدغمه نقول: وعليكم.
الشرط الرابع: قوله: «إليها» أي: إلى وليمة العرس؛ احترازًا مما لو دعاه إلى غير وليمة العرس فإنه لا تجب الإجابة، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم، ودليل ذلك قوله ﷺ: «شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها من يأباها، ويمنعها من يأتيها، ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله» (^٣)، وهذا هو الشاهد، وذهب بعض أهل العلم - وهو قول الظاهرية - إلى وجوب إجابة الدعوة ولو لغير الوليمة؛ لأن هذا من حقوق المسلم على المسلم، وقد قال النبي ﷺ في حق المسلم على المسلم: «وإذا دعاك فأجبه» (^٤)،
_________________
(١) أخرجه مسلم في السلام/ باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (٢١٦٧) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاري في استتابة المرتدين/ باب إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي ﷺ (٦٩٢٦)؛ ومسلم في الآداب/ باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام ٢١٦٣) عن أنس ﵁.
(٣) أخرجه البخاري في النكاح/ باب من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله ﷺ (٥١٧٧)؛ ومسلم في النكاح/ باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة (١٤٣٢) (١١٠) عن أبي هريرة ﵁ واللفظ لمسلم.
(٤) سبق تخريجه ص (٣٢٤).
[ ١٢ / ٣٢٦ ]
وهذا عام يدخل فيه وليمة العرس وغيرها، وتخصيص وليمة العرس بالوجوب لا يدل على أن غيرها غير واجب؛ لأن ذلك من باب ذكر بعض أفراد العام، وذكر بعض أفراد العام بحكم مطابق للعام لا يقتضي التخصيص.
أيضًا الإجابة إلى الدعوة من خلق النبي ﷺ حيث قال: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت» (^١)، إلى هذا الحد!! «ذراع أو كراع» وهو من أزهد ما يكون في الذبيحة، فلو لم يكن من بركة الإجابة إلا أنه من خلق النبي ﷺ، وأن المجيب سيكون متأسيًا برسول الله ﷺ، لو لم يكن إلا هذا لكان كافيًا.
وَلَاحِظْ أن الإنسان إذا أشعر نفسه أنه متبع لرسول الله ﷺ في هذا أو غيره، فسيكون في قلبه محبة للرسول ﵊، كما أنه إذا عود نفسه على الإخلاص لله - تعالى - فسيكون الإخلاص دأبه في كل شيء.
وقوله: «إن عيَّنه» هذا هو الشرط الخامس، أي: عيَّن الداعي المدعوَ، بأن قال: يا فلان احضر وليمتي، وعلم منه أنه إن لم يعينه فلا يجب، مثل لو أطل برأسه على جماعة، وقال: تفضلوا إلى وليمتي، فإنه لا تجب إجابته؛ لأنه لم يعينه، وإنما وجه الكلام للجميع، ولذلك الناس لا يعدون من تخلف عن هذه الدعوة، كمن عُيِّن وتخلف، فمن عُيِّن وتخلف أشد.
وقوله: «ولم يكن ثَمَّ منكر» هذا هو الشرط السادس،
_________________
(١) أخرجه البخاري في الهبة/ باب القليل من الهبة (٢٥٦٨) عن أبي هريرة ﵁.
[ ١٢ / ٣٢٧ ]
وقوله: «ثَمَّ» أي: هناك، ويغلط كثير من الناس حتى من طلبة العلم، فيقولون: ثُم؛ لأن «ثُم» حرف عطف و«ثَم» ظرف، والمعنى ولم يكن في مكان الدعوة منكر.
والمنكر ما أنكره الشرع والعرف، والعبرة بإنكار الشرع، فما أنكره الشرع منكر ولو أقره العرف؛ لأن بعض الأعراف - والعياذ بالله - تقر المنكرات، وما أنكره الشرع فالعقل السليم والعرف السليم ينكره، ولذلك قال النبي ﷺ: «الإثم ما حاك من نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس» (^١)، لأن الناس ينكرونه، وهذا في أناس فطرهم سليمة، ومناهجهم مستقيمة.
أما إذا كان المجيب قادرًا على تغيير المنكر، فحينئذٍ يجب عليه الحضور؛ إجابة للدعوة ولتغيير المنكر، مثل أن يدعى رجل له قيمته العلمية، أو له سلطة إلى وليمة فيها الحرام، فيحضر وهو قادر على أن يغير هذا الحرام، فالحضور عليه واجب؛ لأنه قادر على تغيير المنكر، وقد قال النبي ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده» (^٢).
وأما إذا لم يكن قادرًا فالإجابة إلى الوليمة المحرمة حرام، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَئُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ
_________________
(١) أخرجه مسلم في الأدب/ باب تفسير البر والإثم (٢٥٥٣) عن النواس بن سمعان ﵁.
(٢) أخرجه مسلم في الإيمان/ باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان (٤٩) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١٢ / ٣٢٨ ]
إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] يعني إن قعدتم معهم فأنتم مثلهم في العقوبة والمعصية.
فالشروط ستة، وهناك شرط سابع ذكره بعضهم، وهو أن لا يكون ماله حرامًا، فإن كان حرامًا لم تجب الإجابة، مثل أن يكون ممن يتعامل بالربا، أو بالغش، أو بالكذب، والحقيقة أن هذا الشرط ليس في النصوص ما يدل عليه، ولكنه محل اجتهاد من أهل العلم، والنبي ﵊ أجاب دعوة اليهودي (^١)، وأكل من الشاة التي أهدته اليهودية (^٢)، مع أن اليهود أكَّالون للسحت والربا، ثم إن مَنْ ماله محرم هنا تحريمه لكسبه لا لعينه، وكسبه إثمه عليه، لكن إذا كانت إجابة من يتعامل بالربا والغش ونحو ذلك تغريه، ويغر غيره، فهنا لا يجاب.
واشترط بعض العلماء أن لا يكون في الإجابة دناءة، مثل أن تعلم أن المدعوين ناس من السفهاء والسَّفَل، وأنت رجل محترم بين الناس، فإذا أجبت نزل قدرك، وصار فيه ضرر عليك، لكن هذا الشرط - أيضًا - ليس بصحيح؛ لأنه يفتح للناس باب الطبقية، والترفع، والتعاظم، بل نقول: احضر، وانصح لعل الله ينفع بك.
قال شيخ الإسلام ﵀: ولهذا نأتي إلى المسجد
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٢٧٠) عن أنس ﵁، وصححه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٢٤٩٣)، وأصله في البخاري في الرهن/ باب في الرهن في الحضر (٢٥٠٨).
(٢) أخرجه البخاري في الهبة/ باب قبول الهدية من المشركين (٢٦١٧)؛ ومسلم في الآداب/ باب السم (٢١٩٠) عن أنس ﵁.
[ ١٢ / ٣٢٩ ]
وفيه ناس نصلي معهم، جنبًا إلى جنب، فيهم دناءة وسفل، فأنا أُمرت بالإجابة فأجيب ولا أترفع، لا سيما إذا كان الترفع والعلو على هؤلاء لأجل أنهم فقراء، فهذا أشد، اللهم إلا إذا كان حضور هذا الرجل مع هؤلاء يجلب إليه التهمة، فهذا لا يجب عليه الحضور، ولكن رجل من كبار علماء المسلمين ودعي معهم، فلا يمكن أن تلحقه تهمة، بل يقال: جزاه الله خيرًا، يمكن أن ينصحهم وينفعهم، ولكل مقام مقال.
واشترط بعضهم أن لا يلحقه ضرر بذلك، وهذا صحيح؛ لأن جميع الواجبات من شرط وجوبها انتفاء الضرر، فلو كان يخشى ضررًا في ماله، أو بدنه، أو عرضه فإنه لا يجب عليه، وهذا معلوم من القاعدة العامة في الواجبات.
فتلخص لنا ستة شروط:
الأول: أن تكون الدعوة أول مرة.
الثاني: أن يكون الداعي مسلمًا.
الثالث: أن يحرم هجره.
الرابع: أن يعين المدعو.
الخامس: أن لا يكون ثَمَّ منكر.
السادس: أن لا يكون عليه ضرر.
ولكن يشترط - أيضًا - شرط لا بد منه، وهو أن نعلم أن دعوته عن صدق، وهذا يضاف إلى الشروط التي ذكرناها، وضد ذلك أن يكون حياءً، أو خجلًا، أو مجرد إعلام، فلا يجب.
[ ١٢ / ٣٣٠ ]
كإنسان واقف عند البيت ومر به شخص فقال له: تفضل، فهذه دعوة الغالب فيها أنها عن غير صدق، أي: حياءً فقط، إلا إذا علمنا أن هذا صديق له، وأنه يرغب الجلوس معه، فإن كانت حياءً أو خجلًا لم تجب الإجابة، بل لو قيل بالتحريم لكان له وجه؛ لأنه أحيانًا يحرجك، وأحيانًا تقول له عند الباب: تفضل فيدخل، وأنت تود أن تنام مثلًا، أو تجلس إلى أهلك، وعادتك أن تتغدى أنت وأهلك ولا تجتمع معهم إلا في هذا الوقت.
فإذا تمت هذه الشروط وجبت الإجابة لقوله ﷺ: «ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله» (^١). وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، ولعموم قوله ﷺ: «وإذا دعاك فأجبه» (^٢).
مسألة: البطاقات التي ترسل الآن تعيين أو لا؟ الجواب: إذا رأيت الاسم مطبوعًا قلت: هذا تعيين، وإذا رأيت أنهم لا يبالون، وإنما ذلك عبارة عن مجاملة؛ لأنك صاحب أو قريب، بدليل أنهم لا يأتون ويقولون: هل ستأتي، أو أنت مشغول؟ فالظاهر لي أن البطاقة صارت مثل دعوة الجَفَلى، إلا إذا كان هناك شيء آخر، كقرابة، وإن لم تأته عدّ ذلك قطيعة، أو قال الناس: لِمَ لَمْ يأت إلى قريبه؟
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٢٦).
(٢) سبق تخريجه ص (٣٢٤).
[ ١٢ / ٣٣١ ]
لما ذكر المؤلف ﵀ الشروط منطوقًا، ذكر مفهومها، فقال: