«فإذا كرهت خُلق زوجها أو خَلْقَه» «خُلُق» بضم الخاء واللام، قال بعض العلماء في تعريفه: هو الصورة الباطنة التي يكون بها سلوك المرء، و«خَلْقَه» بفتح الخاء وسكون اللام هي الصورة الظاهرة؛ لأن الصورة الباطنة إذا كانت جميلة صار حسن الأخلاق؛ لأنها هي التي تدبره.
قوله: «أو نقص دينه» أي: نقص الدين الذي لا يوصل إلى الكفر، كأن يتهاون بصلاة الجماعة، أو يشرب الدخان، أو يحلق اللحية، وما أشبه ذلك، فإن وصل إلى الكفر فإن الخلع هنا واجب فيجب أن تفارقه بكل ما تستطيع، ويجب على من علم بحالها من المسلمين إذا كان زوجها - مثلًا لا يصلي - أن ينقذوها منه بالمال؛ لأنها في مثل هذه الحال في الغالب لو حاكمته إلى القاضي فإنها لن تحصل على طائل؛ لأن القاضي سيطلب منها البينة على عدم صلاته، وإقامة البينة على العدم صعب جدًا، بخلاف إقامة البينة على الوجود فإنه سهل؛ لأنه يُرى، لكن على العدم صعب؛ لأنه لا أحد يقول: أنا أشهد أن فلانًا لا يصلي؛ لأنه قد يصلي في بيته، أو يصلي في مسجد آخر، أو في بيت صديقه، ففي مثل هذه الحال إذا علمنا صدق المرأة، وأن الزوج قد طلب لفراقها كذا من المال، فإنه يجب علينا - فرض كفاية - أن نخلصها منه؛ لأن بقاء المسلمة تحت الكافر أمرٌ محرم بالكتاب، والسنة، والإجماع، ولا يمكن أن تبقى عند هذا الرجل الكافر، يتمتع بها.
[ ١٢ / ٤٥٩ ]
قوله: «أو خافت إثمًا بترك حقه» أي: ما كرهت منه شيئًا، لكن خافت إثمًا بترك حقه، تجد نفسها ليست منقادة له، ولا تجيبه إلى الاستمتاع إلا متبرمة متكرهة، كحال امرأة ثابت ﵄؛ فإذا خشيت المرأة أن تضيع حق الله فيه، فهل يباح الخلع؟
نعم لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فإذا خافا أن لا يقيما حدود الله قال المؤلف:
«أبيح الخلع» «أبيح» مبني للمجهول، أي: صار مباحًا لها، أي: جائزًا.
قوله: «وإلا» يعني وإلا يكون له سبب.
قوله: «كره ووقع» المكروه هو الذي يثاب تاركه امتثالًا، ولا يعاقب فاعله، ومع ذلك يقع الخلع، فلو أن المرأة - مثلًا - مستقيمة الحال مع زوجها، ولكنها لأي سببٍ من الأسباب قالت: سأعطيك ما أعطيتني وخلني، طلقني، فما الحكم؟
نقول: الخلع مكروه، ويقع؛ لأنه ليس محرمًا، والمكروه ينفذ، هذا هو المشهور من المذهب، وهناك قولٌ آخر أن الخلع في حال الاستقامة محرم ولا يقع، وهذا هو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فإن مفهوم الآية أنه إن لم يخافا أن لا يقيما حدود الله فعليهما جناح، وهذا يشهد لصحة الحديث، وإن كان ضعيفًا: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس
[ ١٢ / ٤٦٠ ]
فحرامٌ عليها رائحة الجنة» (^١)، فهذا يقتضي أن يكون من كبائر الذنوب.
فالحاصل أننا نقول: الآية تؤيد الحديث، وعلى هذا فنقول: إنه إذا كان لغير سبب فإن الصحيح أنه محرم، وأنه لا يقع، فهو محرم للآية وللحديث، ولا يقع لقول الرسول ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (^٢).
ولكن إذا قلنا: لا يقع الخلع، فهل يقع طلاقًا؟
الجواب: إن كان بلفظ الخلع، ولم ينو به الطلاق فإنه لا يقع الطلاق؛ لأنه ما تلفظ به ولا نواه، والخلع وقع غير صحيح، وقولنا: بلفظ الخلع مثل أن يقول: خالعتها أو فسختها أو فاديتها أو ما أشبه ذلك، فهنا لا يقع خلعٌ ولا طلاق، وإن كان بلفظ الطلاق أو بنية الطلاق فإنه يقع الطلاق على المذهب؛ لأن الخلع إذا كان بلفظ الطلاق صار طلاقًا، وعلى القول بأنه لا يقع الخلع إلا إذا كان بلفظ الفسخ أو الفداء فإنه لا يقع الطلاق أيضًا؛ لأنه تبين أنه حرام لا فائدة فيه.
والعجيب أن المؤلف ﵀ قال: «كره ووقع» واستدل بحديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة» (^٣)، ومقتضى الاستدلال أن يكون
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٤٥٨).
(٢) أخرجه مسلم في الأقضية/ باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات في الأمور (١٧١٨) (١٨) عن عائشة ﵂.
(٣) سبق تخريجه ص (٤٥٨).
[ ١٢ / ٤٦١ ]
الحكم حرامًا، بل من كبائر الذنوب، وكأنه - والله أعلم - لم يصح عنده، وقد مر علينا عن صاحب النكت على المحرر ابن مفلح ﵀ أنه قال: إن الحديث إذا كان ضعيفًا، وكان مفيدًا للوجوب فإنه للاستحباب، هذا ما لم يكن الضعف شديدًا بحيث لا يقبل، وإذا كان مقتضيًا للتحريم صار للكراهة؛ لأن ضعف سنده يتبعه ضعف الحكم، وكونه ورد ونسب إلى الرسول ﵊ يوجب للإنسان شبهة، بأنه قد قاله النبي ﵊ فنجعل الحكم بين التحريم وبين الإباحة، وكذلك بالنسبة للوجوب؛ لأن الأصل عدم الإيجاب حتى يتبين بدليلٍ بيِّن، لكن نقول: نظرًا إلى احتمال أن يكون صحيحًا يجب أن تفعل، هذا ما ذكره ﵀ في هذه القاعدة، ولعل المؤلف ﵀ في هذا الباب أخذ به.