«فإن أصرت هجرها في المضجع ما شاء» أي: يتركها في المضجع ما شاء، لقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] ولم يقيد، وهذه هي المرتبة الثانية، وتَرْكُها في المضجع على ثلاثة أوجه:
الأول: أن لا ينام في حجرتها، وهذا أشد شيء.
الثاني: أن لا ينام على الفراش معها، وهذا أهون من الأول.
الثالث: أن ينام معها في الفراش، ولكن يلقيها ظهره ولا يحدثها، وهذا أهونها.
ويبدأ بالأهون فالأهون؛ لأن ما كان المقصود به المدافعة فالواجب البداءة بالأسهل فالأسهل، كما قلنا في الصائل عليه: إنه لا يعمد إلى قتله من أول مرة، بل يدافعه بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفع إلا بالقتل قتله.
وقوله: «ما شاء» ليس على إطلاقه، بل المقصود أن يهجرها
[ ١٢ / ٤٤٢ ]
حتى تستقيم حالها، فربما تستقيم في ليلة، أو في ليلتين، وربما لا تستقيم إلا بشهر.
المهم أن قول المؤلف: «ما شاء» مقيد بما إذا بقيت على نشوزها، فالحكم يدور مع علته، والتأديب يرتفع إذا استقام المؤدَّب، فإذا استقامت حين هجرها أسبوعًا فالحمد لله، وليس له أن يزيد؛ لأن هذا مثل الدواء، يتقيد بالداء، فمتى شُفِي الإنسان لا يستعمل الدواء؛ لأنه يكون ضررًا، وعليه فمتى استقامت وجب عليه قطع الهجر.
قوله: «وفي الكلام ثلاثة أيام» أي: يهجرها في الكلام ثلاثة أيام، ولا يزيد على هذا، لقول النبي ﷺ: «لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان، فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (^١)، فله أن يهجرها يومين، أو ثلاثة أيام ولا يزيد على ذلك، ويزول الهجر بالسلام، فإذا دخل البيت وهي موجودة عند الباب، أو في الصالة القريبة، وقال: السلام عليكم، زال الهجر، وإذا قال لها: كيف أصبحت يا أم فلان فإنه يكفي؛ لأنه كلمها.
إذًا يبقى على رأس كل ثلاثة أيام يسلم مرة، ففي هذه الحال سوف تتفجر المرأة غيظًا ويحصل الأدب.
قوله: «فإن أصرت ضربها غير مبرح» هذه المرتبة الثالثة
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب/ باب الهجرة … (٦٠٧٧)؛ ومسلم في الأدب/ باب تحريم الهجر فوق ثلاثة أيام بلا عذر شرعي (٢٥٦٠) عن أبي أيوب الأنصاري.
[ ١٢ / ٤٤٣ ]
فيضربها ضربًا غير مبرح، لقول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ لكن لو قال قائل: إن الله - تعالى - قال: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ فذكرها بالواو الدالة على الاشتراك وعدم الترتيب؟
فالجواب: تقديم الشيء يدل على الترتيب في الأصل، ولهذا لما قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، قال النبي ﷺ: «أبدأ بما بدأ الله به» (^١)، وكذلك قال الفقهاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] قالوا: يُبدأ بالفقراء؛ لأنهم أشد حاجة، فعليه نقول: إن الله وإن ذكر هذه ثلاث المراتب بالواو، فإن المعنى يقتضي الترتيب؛ لأن الواو لا تمنع الترتيب، كما أنها لا تستلزمه.
فعليه نقول: المسألة علاج ودواء، فنبدأ بالأخف الموعظة، ثم الهجر في المضاجع، ويضاف إليها الهجر في المقال، ثم الضرب.
والآية مطلقة حيث قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾، لكن النبي ﷺ قال في حجة الوداع في حق الرجال وحق النساء: «لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح»، وإذا كانت هذه المسألة الكبيرة تُضرَب فيها المرأة ضربًا غير مبرح، فما بالك في النشوز؟! فأولى أن لا يكون الضرب مبرحًا.
وعلى هذا فمطلق الآية يقيَّد بالقياس على ما جاء في الحديث، فنقول: ليس الضرب كما يريد، فلا يأتي بخشبة مثل الذراع
_________________
(١) أخرجه مسلم في الحج/ باب حجة النبي ﷺ (١٢١٨) عن جابر ﵁.
[ ١٢ / ٤٤٤ ]
ويضربها، مع أنه يمكن أن يضربها بسوط مثل الأصبع، فنقول: إنه أخطأ لا شك، فيضربها ضربًا غير مبرح.
ولا يجوز أن يضربها في الوجه، ولا في المقاتل، ولا فيما هو أشد ألمًا؛ لأن المقصود هو التأديب.
أما عدد الضرب فهو ما يحصل به المقصود، ولا تتضرر به المرأة؛ لأن هذا للتأديب، والفقهاء ﵏ يقولون في العدد: لا يزيد على عشر جلدات، مستدلين بقول النبي ﷺ: «لا يجلد أحد فوق عشر جلدات إلا في حدٍّ من حدود الله» (^١)، لكن قوله في الحديث: «في حد» ليس المراد بالحد العقوبة، كحد الزنا مثلًا، إنما المراد بالحد ترك الواجب، أو فعل المحرم؛ لأن الله - تعالى - سمى المحرمات حدودًا، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] وسمى الواجبات حدودًا فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩].
فالصواب أن المراد بالحد في الحديث الحد الشرعي، وليس الحد العقوبي، فإذا كانت لا تتأدب إلا بعشرين جلدة، نضيف إلى العشر عشرًا أخرى، لكن نرجع إلى القيد الأول وهو أن يكون غير مبرح.
فإن لم يفد، أي: أنه وعظها، ثم هجرها، ثم ضربها ولا فائدة، فماذا نصنع؟
_________________
(١) أخرجه البخاري في الحدود/ باب كم التعزير والأدب (٦٨٤٨)؛ ومسلم في الحدود/ باب قدر أسواط التعزير (١٧٠٨) عن أبي بردة الأنصاري ﵁.
[ ١٢ / ٤٤٥ ]
قيل: إنه إذا كان التعدي منها تسكن هي وزوجها بقرب رجل ثقة أمين، يراقب الحال، ويعرف أيهما الذي أساء إلى صاحبه.
ولكن هذا ليس بصحيح:
أولًا: أن هذا لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة.
ثانيًا: أنه مهما كان في الرقابة، فلا يمكن أن يكون عندهما في الحجرة مثلًا، فهو عمل لا فائدة منه.
لكن هنا طريقة ذكرها الله تعالى في القرآن فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾ أي: أقاربه ﴿وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] أي: أقاربها، فالمسألة مهمة؛ لأن الخطاب للأمة كلها، للعناية بهذا الأمر، فكل الأمة مسؤولة عن هذين الزوجين الذين يتنازعان، فالإسلام لا يريد أن يقع النزاع بين أحد.
ويشترط في الحَكَم أن يكون عالمًا بالشرع، عالمًا بالحال، أي: ذا خبرة وأمانة؛ ولهذا كان من المهم في القاضي أن يكون عارفًا بأحوال الناس الذين يقضي بينهم، فالحكم لا بد فيه من العدالة حتى نأمن الحيف، ولا بد أن يكون عالمًا بالشرع وبالحال.
وهذان الحكمان، قيل: إنهما وكيلان للزوجين، وعلى هذا لا بدّ أن توكل المرأة قريبها، ويوكل الرجل قريبه.
وقيل: إنهما حكمان مستقلان، يفعلان ما شاءا، يجمعان أو يفرقان بعوض أو بغير عوض.
وظاهر القرآن القول الثاني: أنهما حكمان مستقلان، فلم
[ ١٢ / ٤٤٦ ]
يقل الرب ﷿: فإن خفتم شقاق بينهما فليوكلا من يقوم مقامهما، بل قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾.
ولا يجوز للحكمين أن يريد كل واحد منهما الانتصار لنفسه وقريبه، فإن أراد ذلك فلا توفيق بينهما، لكن ماذا يريدان؟
يقول الله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ أي: الحكمان ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ أي: بين الحكمين، وبين الزوجين، يوفق الله بين الحكمين فيتفق الرأي؛ لأنه لو تنازع الحكمان، وكان لكل واحد منهما رأي ما استفدنا شيئًا، لكن مع إرادة الإصلاح يوفق الله بينهما، فيتفق الحكمان على شيء واحد، أو يوفق الله بينهما إن حكم الحكمان بأن يبقى الزوجان في دائرة الزوجية، فإن الله تعالى يوفق بين الزوجين من بعد العدواة، فالآية تحتمل هذا وهذا، ويصح أن يراد بها الجميع، فيقال: إن أراد الحكمان الإصلاح وفق الله بينهما، وجمع قولهما على قول واحد واتفقا، وإن أرادا الإصلاح وحكما بأن تبقى الزوجية، فإن الله يوفق بين الزوجين.
فصارت المراتب أربعًا:
وعظ، هجر، ضرب، إقامة الحكمين.
وأما المرتبة التي قبل إقامة الحكمين وهي الإسكان عند ثقة فهذه لا أصل لها، ولا دليل لها، ولا فائدة منها.
وكلام المؤلف فيما إذا خاف الزوج نشوز امرأته، فما الحكم إذا خافت هي نشوزه؟ لأنه أحيانًا يكون النشوز من الزوج
[ ١٢ / ٤٤٧ ]
يعرض عنها، ولا يلبي طلبها الواجب عليه، أو يلبيه لكن بتكره، وتثاقل، وما أشبه ذلك.
نقول: الله بيَّن هذا في قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، وفي قراءة سبعية أن يصَّالحا (^١)، وقوله: ﴿نُشُوزًا﴾ يعني يترفع عليها ويستهجنها ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ أي: يعرض عنها ولا يقوم بواجبها، لا في الفراش، ولا في غير الفراش، ولا كأنه زوج، قال الله ﷿: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ أي يتصالحا بأنفسهما، وما ذكر الله ﷿ لا وعظًا ولا ضربًا، ولا هجرًا، ولا حكمين، والحكمة في هذا ظاهرة جدًا؛ لأن الأصل أن الرجل قوَّام على المرأة، فقد يكون إعراضه من أجل إصلاحها، بخلاف العكس، ولهذا هناك يعظها ويهجرها ويضربها، وهي لا تعظه ولا تهجره ولا تضربه، ولكن لا بد من مصالحة بينهما، فإذا لم يمكن أن يتصالحا فيما بينهما، فلا حرج في أن يتدخل الأقارب، لا على سبيل الحَكَم، ولكن على سبيل الإصلاح، ولهذا ما ذكر الله هنا المحاكمة، بل ذكر الإصلاح وندب إليه في قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ فهذه الجملة كلمتان فقط، وليست خاصة بهذه القضية، بل في كل شيء، وهي من بلاغة القرآن، فكل شيء يكون عن طريق الصلح فهو خير، خيرٌ من المحاصة؛ فإن في المحاصة مهما كان سيكون في نفسه شيء على
_________________
(١) قرأ بها سائر القرّاء عدا عاصم وحمزة والكسائي، كما في الوجيز للأهوازي (١٦٣).
[ ١٢ / ٤٤٨ ]
صاحبه الذي غلبه، لكن في المصالحة تطمئن النفوس وتستريح، ومع ذلك أشار الله ﷿ إلى أنه قد يوجد فيه مانع وعائق، فقال تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء ١٢٨] يعني عندما يتكلم أناس في نزاع بينهما يحبون الصلح، لكن نفسك تشح أن يهضم حقك مهما كان الأمر، ولكن على كل حال الذي عنده عقل يغلب النفس.
وفي قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ توجيهات عظيمة من الرب ﷿، يعني ما قال: أطعنكم ورجعن إلى الصواب، فذكروهن ما مضى، وتقولون: فعلتِ كذا، وفعلتِ كذا، أو أنا قلت: كذا، وما أشبه ذلك، مما يبعث الأمور الماضية، بل قال: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي: اتركوا كل ما مضى، ولا يكن في أذهانكم أبدًا، وهذا من الحكمة؛ لأن ذكر الإنسان ما مضى من مثل هذه الأمور ما يزيد الأمر إلا شُقة وشدة ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤].
[ ١٢ / ٤٤٩ ]