قوله: «فتحرم الثلاث إذًا» يعني في طهر لم يجامع فيه؛ لأن رجلًا طلق امرأته في عهد النبي ﷺ ثلاثًا، فقام الرسول ﷺ فقال: «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟!» حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله (^١)؟! فدل هذا على أنه محرم، ولأنه نوع من الاستهزاء بآيات الله؛ لأن الله - تعالى - جعل في الطلاق فسحة للإنسان، وإذا طلق ثلاثًا فكأنه تعجل ما جعل الله فيه فسحة فيكون مضادًا لحكم الله، ولأن عمر بن الخطاب ﵁ ألزمهم بهذه الثلاث عقوبة لهم (^٢)،
_________________
(١) أخرجه النسائي في الطلاق/ باب الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ (٦/ ١٤٢) عن محمود بن لبيد ﵁، وصححه الألباني كما في غاية المرام (١٦٤).
(٢) سبق تخريجه ص (٢٠).
[ ١٣ / ٣٨ ]
والعقوبة لا تكون على فعل شيء مباح، ولقول ابن عمر ﵄ حين سئل عمن طلق زوجته ثلاثًا، قال: «لو اتقى الله لجعل له مخرجًا» (^١)، فدل هذا على التحريم، وهذا هو القول الصحيح، أن إيقاع الثلاث جملة واحدة محرم.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الطلاق الثلاث ليس محرمًا، وأنه جائز، وهذا مذهب الشافعي، وقال: إن الدليل على عدم التحريم أن عمر ﵁ أمضاه، ولو كان حرامًا لم يمضه؛ لأن الحرام لا يجوز إمضاؤه، إذ إن إمضاء الحرام من المضادة لله؛ لأن الله إذا حرم شيئًا فإنه يريد من عباده اجتنابه، فإذا نفذناه وقعنا فيه.
وأجاب عن حديث: «أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟!» (^٢) بأنه ضعيف، ولكن لعل الشافعي ﵀ ما بلغه الحديث على وجه يصح، والصواب: أن الحديث أقل أحواله أن يكون حسنًا، وقد صححه جماعة من أهل العلم، ثم إن الأدلة التي ذكرناها واضحة.
وأما قوله: إنه لو كان حرامًا ما أمضاه عمر، فنقول: ما أمضاه رضًا به، ولكن عقوبة لفاعله، ولهذا قال ﵁ حين إمضائه: إن الناس قد تعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم.
_________________
(١) أخرجه مسلم بلفظ: «وأما أنت فقد طلقتها ثلاثًا فقد عصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك وبانت منك»، كتاب الطلاق/ باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها/ (١٤٧١).
(٢) سبق تخريجه ص (٣٨).
[ ١٣ / ٣٩ ]
فإن قال قائل: إن الله قد أجاز الطلاق الثلاث في القرآن فقال: ﴿اَلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩، ٢٣٠]، والطلقة الثالثة تبين بها، فما الجواب؟
الجواب: أن الطلاق الذي ذكره الله طلاق متعاقب، ولو قلنا بأن الطلقة الثالثة لا تقع لم يصح، فالطلاق مرتان، يطلق ويراجع، ويطلق ويراجع، ويطلق الثالثة، وحينئذٍ لا تحل له إلا بعد زوج، وهذه الصورةُ الطلقةُ الثالثةُ فيها مباحة بالاتفاق، ولم يقل أحد من العلماء: إنها حرام، بل كلهم مجمعون على أنها مباحة وليست حرامًا.
وقوله: «وتحرم الثلاث إذًا» ترك المؤلف مرحلة بين مرحلتين وهما الثنتان، فبيَّن أن الواحدة من السنة، وأن الثلاث حرام، فما حكم الثنتين؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنها حرام، وقال الفقهاء: إنها مكروهة وليست حرامًا، فالكل يقول: إنها منهي عنها، إما نهي كراهة، وإما نهي تحريم، والأقرب أنها للتحريم؛ لأن فيها تعجلًا للبينونة، وقد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا، وما دمنا اتفقنا على أن هذا طلاق بدعة، فلماذا لا تكون بدعة محرمة؟! فالصواب: ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الطلقتين حرام لا تنفذان، وما تنفذ إلا واحدة فقط، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ولو طلق ثلاثًا فهل يقع، أو يقع واحدة، أو لا يقع إطلاقًا؟ في هذا ثلاثة أقوال: قولان لأهل السنة، وقول للرافضة، فالرافضة قالوا: لا يقع الطلاق؛ لأن النبي ﷺ يقول: «من عمل
[ ١٣ / ٤٠ ]
عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (^١)، وطلاق الثلاث ليس عليه أمر الله ورسوله ﷺ فيكون مردودًا لاغيًا، ولا شك أن قولهم واستدلالهم بهذا الحديث قوي، لولا أنه يعارضه حديث ابن عباس ﵄ قال: كان الطلاق الثلاث على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر واحدة، فيقال: إن قوله: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، يستثنى منه الطلاق، فالطلاق ثبتت السنة بأن الثلاث يقع واحدة.
وأما قولا أهل السنة:
فالأول: أن الثلاث تقع ثلاثًا، وتبين به المرأة، وهذا هو الذي عليه جمهور الأمة والأئمة، فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا بانت منه، وإذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، بانت منه، فتقع الثلاث ثلاثًا سواء بكلمة واحدة، أو بأكثر.
الثاني: وقال به بعض العلماء، وهم قليلون، لكن قولهم حق: إنه يقع واحدة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ودليل ذلك القرآن والسنة، أما القرآن فإن الله - تعالى - قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، والطلاق الثاني يقع لغير العدة؛ لأن العدة تبدأ من الطلاق الأول، والطلاق الثاني لا يغير العدة، فيكون طلاقًا لغير عدة، فيكون مردودًا لقول النبي ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٣).
[ ١٣ / ٤١ ]
أما دلالة السنة: فحديث ابن عباس ﵄ الذي أخرجه مسلم في صحيحه قال: «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر واحدة، فلما أكثر الناس ذلك قال عمر ﵁: أرى الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم (^١)، وهذا يدل على أن إمضاء الثلاث من اجتهادات عمر، وأنه ﵁ إنما صنع ذلك سياسة، لا أن هذا مقتضى الأدلة؛ لأنه إذا ألزم الناس بالطلاق الثلاث كفّوا عنه؛ لأن الإنسان إذا علم أنه إذا قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، فهي واحدة، يهون عليه أن يقولها مرة أخرى، لكن إذا علم أنه إذا قالها حيل بينه وبين زوجته فإنه لا يقولها، بل يتريث، فلهذا كان من سياسة عمر ﵁ أن ألزم الناس بمقتضى قولهم.
واختار هذا القول شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀ وقال: إن شيخ الإسلام ساق على هذا أدلة لا يسوغ لمن تأملها أن يقول بخلافه، وهذا القول هو الصواب.
وقد صرَّح شيخ الإسلام بأنه لا فرق بين أن يقول: أنت طالق ثلاثًا، أو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وما ذكره ﵀ هو مقتضى قول الفقهاء في هذه المسألة؛ لأن الذين قالوا: إنه يقع ثلاثًا قالوا: إنه في عهد الرسول كان الواحد منهم يكرر أنت طالق توكيدًا، لا تأسيسًا؛ لأنهم يرون أن الثلاث حرام، فلا يمكن أن يقولوها، لكن بعد ذلك قلَّ خوف الناس
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٠).
[ ١٣ / ٤٢ ]
فصاروا يقولونها تأسيسًا لا توكيدًا، وقولهم هذا يدل على أن الخلاف شامل لقوله: أنت طالق ثلاثًا، أو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.