وقوله: «فلها مهر المثل بالعقد» في كلا التفويضين، في مفوضة البضع لها مهر المثل بالدخول، ولها المتعةُ إذا طلقت قبل الدخول بنص القرآن، وفي مفوضة المهر لها مهر المثل إذا طلقت بعد الدخول؛ لأن القاعدة أنه إذا بطل المسمى فلها مهر المثل، وهنا مهر المثل باطل لعدم العلم به.
فإذا طلقها قبل الدخول فالمذهب قالوا: إن لها المتعة؛ لأن التسمية الفاسدة كعدمها؛ لقول النبي ﷺ: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» (^١) وإذا بطل لم يكن له أثر، وعلى هذا تكون التسمية كلا تسمية، فيلزمه المتعة لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٦٤).
[ ١٢ / ٣٠٣ ]
والقول الثاني في المسألة: أن لها نصف مهر المثل؛ لأن المهر أشير إليه وفرضت الفريضة، ولكن ما عينت، والذي في القرآن: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] وهنا فرضت، فقيل: بمهر، ولكن ما عُين.
وعند التأمل في التعليلين يظهر أن المذهب أقوى؛ لأنه مدعوم بالدليل، وهو قوله ﷺ: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل»، وهذا باطل لفساد تسميته، والباطل شرعًا كالمعدوم حسًا، وحينئذٍ نرجع إلى أنه لا تسمية، فيكون لها المتعة.
وقوله: «بالعقد» أي: بمجرد العقد، لا بالتفويض.
قوله: «ويفرضه الحاكم» أي: مهر المثل، والحاكم المراد به القاضي، واعلم أن بعض أهل العلم كره أن يقال للقاضي: الحاكم، لقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧] وهذا القول ليس بصحيح، بل الصحيح أنه يجوز، وقد دل عليه القرآن، قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، ومعلوم أنه إذا قيل: حكم فلان، فاسم الفاعل من حكم حاكم، ولا شك في جوازه، ولذلك الفقهاء يكادون يجمعون على التعبير بلفظ الحاكم.
وإنما جعلنا الفرض للحاكم؛ لئلا يقع النزاع بينهما، فيقول الزوج: مهر المثل ألف ريال، وهي تقول: مهر المثل ألفان.
قوله: «بقدره» أي: بقدر هذا المهر؛ لأنه إن زاد أجحف بالزوج، وإن نقص أجحف بالمرأة، ويراعى في ذلك حال الزوجة، والزوج لا عبرة به، فلو كانت هي غنية، حسيبة،
[ ١٢ / ٣٠٤ ]
متعلمة، ديِّنة، بكرًا، والزوج فقير، فيفرض المهر على حسب حال الزوجة؛ لأنه عوض عن بضعها.
قوله: «وإن تراضيا قبله جاز» أي: إن اتفقا عليه بدون الرجوع إلى الحاكم فالحق لهما، أي: لا بأس، فلو قالا: لن نذهب إلى القاضي، ونتفق فيما بيننا، فقال الزوج: المهر ألف، وقالت هي: بل ألفان، وتوسط أناس وقالوا: ألف وخمسمائة، وما أشبه ذلك، فلا حرج؛ لأن الحق لا يعدوهما.