قوله: «من صح تبرعه من زوجة وأجنبي صح بذله لعوضه» «من صح» جملة شرطية، فعل الشرط: «صح» وجواب الشرط: «صح بذله».
وقوله: «صح» هذا حكم وضعي، أما الحكم التكليفي ففيه تفصيل سيأتي.
وقوله: «تبرعه» التبرع هو إعطاء المال بلا عوض.
ويجب أن نعرف الفرق بين التبرع والتصرف:
فالتصرف: العمل في المال.
والتبرع: بذل المال بلا عوض، وأضرب مثلًا يبين هذا:
ولي اليتيم يصح تصرفه في مال اليتيم، ولا يصح تبرعه من مال اليتيم، أي: لا يصح أن يتبرع ولا بقرش واحد من مال اليتيم، وأما التصرف فيتصرف بكل ماله بالتي هي أحسن.
[ ١٢ / ٤٥٤ ]
وعلى هذا يكون التصرف أوسع من التبرع؛ لأنه يصح ممن لا يصح تبرعه.
ولننظر إلى الخلع، هل هو تبرع، أو هو تصرف ومعاوضة؟
الجواب: الخلع تبرع في الواقع؛ لأن الزوجة تتبرع للزوجة بما تعطيه في الخلع، وإن كان هناك مقابل، لكن هو في الأصل تبرع.
فإذا كانت الزوجة لا يصح تبرعها، كالمحجور عليها، وأرادت أن تخالع زوجها فليس لها ذلك؛ لأن تبرعها بمالها لا يصح.
وقوله: «وأجنبي» أي: يصح أن يتبرع أجنبي ببذل عوض الخلع، حتى يخالع الزوج زوجته، بأن يأتي إنسان ويقول للزوج: خالع زوجتك، وأنا أعطيك ألف ريال، فإن هذا يصح.
فإذا قال قائل: الأجنبي ما شأنه والمرأة؟ نعم لو كان أباها أو أخاها أو ما أشبه ذلك من أقاربها، لقلنا: هؤلاء تبرعوا ببذل العوض لمصلحة، لكن الأجنبي ما مصلحته من ذلك؟! ولذلك قال بعض أهل العلم: إنه لا يصح بذل عوض الخلع من أجنبي؛ لأنه لا يستفيد شيئًا.
ولكن الصحيح أنه يصح من الأجنبي، وتبرع الأجنبي بعوض الخلع أقسام:
الأول: أن يكون لمصلحة الزوج، مثل أن يعرف أن الزوج متبرم من زوجته، ولا يريدها، ويكرهها، ولا يستطيع أن يفارقها، وقد بذل لها مهرًا كثيرًا، فهو في حيرة، فهنا نقول: إذا تبرع أجنبي
[ ١٢ / ٤٥٥ ]
بعوض الخلع، فالمصلحة للزوج، والزوجة قد يكون لها مصلحة وقد لا يكون، لكنه يقول: أنا أريد أن أخلص هذا الزوج من هذه الحيرة، فنقول له: جزاك الله خيرًا، ولا حرج؛ لأن هذا مصلحة.
الثاني: أن يكون لمصلحة الزوجة، بأن تكون الزوجة كارهة لزوجها، وزوجها متعِب لها، لكن ليس عندها المال الذي تفدي به نفسها منه، فيأتي رجل ويقول: يا فلان خالع زوجتك، وأنا أعطيك كذا وكذا من المال، فهذا جائز، وهو إحسان إليها.
الثالث: أن يكون لمصلحتهما جميعًا، - أي: مصلحة الزوج والزوجة - بأن يكون كل واحد منهما يرغب الانفكاك، لكن الزوج شاحٌّ بما بذله من المهر، وهي ليس عندها ما تفدي به نفسها.
الرابع: أن يكون للإضرار بالزوج، مثل أن تكون المرأة صالحة خادمة لزوجها معتنية به، فيحسد الزوج على هذا، فيقول له: اخلع زوجتك بعوض، وقصده الإضرار بالزوج؛ لأنه حاسده، فهذا لا شك أنه حرام، وأنه عدوان على أخيه، وهو أشد من الحسد المجرد، والحسد من الكبائر.
فإذا قال قائل: أليس الأمر بيد الزوج، وأنه يستطيع أن يقول: لن أخالع، ولو تعطيني الدنيا كلها؟
فالجواب: بلى، لكن الإنسان قد يخدع ويُغرَى بالمال، بأن يقول له مثلًا: خالع زوجتك وأنا سأعطيك سيارة، ومائة ألف ريال، وقصرًا، والإنسان بشر ربما ينخدع ويخالع، فهنا نقول: بذل المال في هذا الخلع محرم لما فيه من العدوان.
وإذا قال هذا الباذل: أنا لم أجبره، والأمر بيده؟
[ ١٢ / ٤٥٦ ]
قلنا: لكنك خدعته.
الخامس: أن يكون للإضرار بالزوجة، كأن تكون الزوجة مستقيمة مع الزوج، والحال طيبة، فتأتي امرأة تحسدها - وما أكثر ما تحسد النساءُ النساءَ - فتقول لها: أنا سأعطيك كذا وكذا، وتخلصي من هذا الرجل، وسوف يرزقك الله رجلًا طيبًا ومستقيمًا، فتخدعها، وتوافق الزوجة، فهذا حرام لا إشكال فيه؛ لأنه عدوان.
السادس: أن يكون للإضرار بهما جميعًا، بأن يحسد رجل الزوجَ والزوجةَ ويبذل العوض، وهذا - أيضًا - حرام.
السابع: أن يكون لحظ نفسه، أي لمصلحة الباذل، مثال ذلك: أن يكون الباذل قد أعجبته هذه المرأة التي عند زوجها، فقال للزوج: اخلع زوجتك وسأعطيك عشرة آلاف ريال، فهذا حرام وعدوان وجناية، وهو أشد من تخبيب المرأة على زوجها؛ لأن هذا بالفعل أفسدها عليه.
وسئل الإمام أحمد ﵀ عن رجل قال لآخر: طلق زوجتك لأتزوجها بكذا وكذا من الدراهم، فأنكر هذا إنكارًا شديدًا، وقال: أيفعل هذا أحد؟! لا يجوز.
الثامن: أن يكون لمصلحة غيره، مثال ذلك: رجل عرف أن فلانًا قد تعلق قلبه بهذه الزوجة، فقال له: أنا أراك تحب فلانة - أي الزوجة - فقال: نعم ليتها تكون لي، فقال: أنا آتي بها ولكن أعطني دراهم، فأعطاه الدراهم، فذهب وخالعها، فهذا لا يجوز؛ لأنه عدوان وظلم.
[ ١٢ / ٤٥٧ ]
التاسع: إذا كان لا سبب له، وإنما يريد أن يفرق بينهما، فلا يريد الإضرار، ولا يريد المصلحة لنفسه ولا لغيره، فهل يجوز أو لا يجوز؟
هذا ينبني على مسألة، وهي هل يجوز الخلع مع استقامة الحال، يعني لو أن المرأة أرادت أن تخلع نفسها من زوجها، والحال مستقيمة، فهل يجوز لها ذلك أو لا؟
في هذا خلاف بين العلماء، منهم من قال: الخلع لا يجوز مع استقامة الحال، واستدل بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فاشترط الله تعالى لنفي الجناح أن نخاف أن لا يقيما حدود الله، وإلا فلا يجوز ولقول النبي ﷺ: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة» (^١).
لكن جمهور العلماء على أنه يصح الخلع مع استقامة الحال، إلا أنه يكره إذا لم يكن له سبب.
وقوله: «صح بذله لعوضه» الضمير يعود على عوض الخلع، فالعوض بالنسبة للزوجة المنفعة بالتخلص من هذا الرجل، وبالنسبة للزوج المال المدفوع له.
والصحيح أنه يجوز أن تجعل عوض الخلع غير مال، كخدمته مثلًا، إلا إذا كان العوض محرمًا، فهذا لا يجوز.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الطلاق/ باب في الخلع (٢٢٢٦)؛ والترمذي في الطلاق/ باب في المختلعات (١١٨٧)، وابن ماجه في الطلاق/ باب كراهية الخلع للمرأة (٢٠٥٥) عن ثوبان ﵁، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (٩/ ٤٠٩) انظر: الإرواء (٢٠٣٥).
[ ١٢ / ٤٥٨ ]
ثم ذكر المؤلف ﵀ أسباب الخلع فقال: