قوله: «وإذا قال: متى أو إذا أو إن أعطيتني ألفًا فأنت طالق» «متى» اسم شرط وهي للمستقبل، وكذلك «إذا»، و«إن»، لكن «متى» تعود على الزمان، و«إذا» تدل على الظرفية، لكن «إن» أداة شرط محض، وكل الثلاث تدل على الشرط، فإذا قال: متى أعطيتني ألفًا فأنت طالق، أو: إذا أعطيتني ألفًا فأنت طالق، وهذا عام في جميع الأزمنة؛ فتشمل من الآن إلى أن تعطيه، وأما «إن أعطيتني» فدلالتها على الظرفية ليس من نفس الكلمة، لأن «إن» حرف لا معنى لها، لكن الدلالة على العموم من فعل الشرط الذي للمستقبل، فيشمل جميع الزمن المستقبل.
وقوله: «إن أعطيتِني» بكسر التاء بدون ياء، وحكي لغة - لكنها ضعيفة جدًا - أنها تلحقها الياء، لكن للإشباع، فيقال: أعطيتيني، وهذه اللغة توافق العامية عندنا، فنحن نقول: أعطيتيني ولا نقول: أعطيتني، وهذه هي اللغة الفصحى؛ لأنه يفرق بين المذكر والمؤنث بكسر التاء، أو فتحها.
وقوله: «ألفًا» المؤلف ما ذكر تمييز الألف، لكنه ألف من الدراهم؛ لأنه الغالب.
قوله: «طلقت بعطيَّته وإن تراخى» أي تطلق بعطيته، ولو بعد شهر، أو شهرين، أو عشرة أشهر فمتى أعطته ما قال طلقت، مثال ذلك: رجل بينه وبين زوجته مشاكل، وطلبت منه الطلاق، فقال: إن أعطيتني عشرة آلاف ريال فأنت طالق، ويسر الله لها
[ ١٢ / ٤٨٥ ]
هذا المبلغ، وجاءت به، وقالت: خذ، فتطلق، وإن تأخر، فلو تبقى شهرًا، أو شهرين، أو سنة، أو سنتين ثم تأتي بذلك فإنها تطلق؛ وجه ذلك أن النبي ﷺ قال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» (^١)، فمفهومه أن كل شرط لا ينافي كتاب الله فهو ثابت، وهذا الرجل اشترط، والمرأة جاءت بما اشترط عليها وتكلفت، ولا يملك أن يرجع في هذا؛ لأنها كلمة خرجت من فمه، وهو عاقل بالغ؛ وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء.
وقال بعض العلماء: إن رجع قَبْل قبولها فله ذلك، مثلًا: إن قال: إن أعطيتني ألفًا فأنت طالق، قالت: نعم، أنا أعطيك، فهنا لا يرجع، وإن رجع قبل أن تقول ذلك فله ذلك؛ لأن هذا شبه معاوضة، فلا بد فيها من اتفاق الطرفين: إيجاب، وقبول، وكذلك إذا أتت بالدراهم فلا يمكن الرجوع.
واختار شيخ الإسلام ﵀: أن له أن يرجع ما دامت لم تسلمه، وقال: إنه علق الطلاق على شرط، ورجع فيه قبل أن يتم هذا الشرط، فهو نظير الإيجاب في البيع قبل القبول، فلو أوجب البيع على شخص ولم يقبل لم يتم العقد؛ لأنه لم يحصل قبول، فما دامت المرأة لم تأتِ بالألف فله أن يبطله، بخلاف الشرط المحض، فليس له أن يبطله، مثاله: أن يقول: إذا دخل شهر رجب فأنت طالق، فهنا لا يملك إبطاله حتى عند الشيخ، فالشيخ يفرق بين الطلاق المعلق على عوض، والطلاق المعلق على شرط محض.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٦٥).
[ ١٢ / ٤٨٦ ]
وفي النفس من اختيار الشيخ ﵀ شيء؛ لأنه كلام صدر من عاقل عالم بمعناه فلا يمكن أن يرجع فيه، بل يقال: إذا أعطته ألفًا فهي طالق، ويكون ذلك خلعًا على القول الراجح، أو طلاقًا على عوض ولا تحل له إلا بعقد جديد؛ لأنها بانت منه بالعوض الذي أخذه.
لكن هل يجوز للقاضي في هذه المسألة أن يقضي بما يراه أصلح، فإذا رأى - مثلًا - أن الزوج فراقه خير من بقائه يأخذ برأي بالمذهب، وإذا رأى أن الزوج أصلح للزوجة يأخذ برأي شيخ الإسلام؟
الجواب: ما دامت المسألة ليس فيها نص وإنما اجتهاد، فإذا رأى القاضي أن يعامل الزوج بأحد القولين للمصلحة فلا بأس به.