قوله: «وإن اختلف الزوجان أو ورثتهما في قدر الصداق»، هذه مسائل الخلاف، ويجب أن نعلم أن مسائل الخلاف يقبل فيها قول مَنْ الأصل معه، إلا أن يكون الظاهر أقوى من الأصل فيغلَّب الظاهر، وهذا هو الضابط.
فالأصل في جميع الاختلافات، سواء في البيع، أو الإجارة، أو الصداق، أو الرهن، أو غيرها، أن يقبل قول مَنْ الأصل معه، إلا أن يكون هناك ظاهر يغلب على الأصل فيغلب الظاهر.
ثم إذا قلنا: القول قوله فلا بد من اليمين، لقول النبي ﷺ: «اليمين على من أنكر» (^١)، فاعرف هذا الضابط، ونزِّل عليه جميع
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٠٤).
[ ١٢ / ٢٩٦ ]
مسائل الاختلاف، ثم إن شذَّ شيء عن هذا الضابط فلا بد أن يكون له سبب، فإن لم يكن له سبب يخرجه عن هذا الضابط فلا تخرجه، ودليل هذا الضابط قول النبي ﷺ: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (^١)، لأن الذي أنكر معه الأصل، وهو براءة ذمته، فإن اختلف الزوجان أو ورثتهما بعد موتهما، مثل أن يقول الزوج: أصدقتك مائة، فتقول الزوجة: بل مائتين، فالقول قول الزوج أو ورثته؛ لأنهما اتفقا على المائة واختلفا في الزائد، فمن ادعاه فعليه البينة، ومن أنكره فعليه اليمين.
والدليل من العقل أن الزوج غارم، فالقول قوله في نفي ما يستلزم الغرم إلا ببينة، فنقول للمرأة: هات بينة على أن الصداق مائتان، وإلا فالزوج يحلف ويعطيك مائة.
مثال آخر: قال الزوج: أصدقتك مائتين، وقالت الزوجة: بل مائة، فإذا قلنا: القول قول الزوج، ألزمنا الزوجة بقبول المائة، والصواب أننا لا نلزم الزوجة بالزيادة إلا إذا أتى بدليل، وهذا مثل ما لو قال شخص لآخر: عليَّ لك مائة، فقال الدائن: بل خمسون، فلا نلزمه بقبول المائة.
وهذه الدعوى في الحقيقة نادرة، أن يدعي الزوج أكثر مما تقر به الزوجة، فإن وقعت فالقول قول الزوجة؛ لأن الأصل عدم صحة ما يدعيه إلا ببينة.
قوله: «أو عينه» أي: اختلف الزوجان أو ورثتهما في عين الصداق، يعني قالت: أصدقتني هذه البعير، فقال: بل هذه
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٠٤).
[ ١٢ / ٢٩٧ ]
البعير، قالت: أصدقتني هذا البيت، قال: بل هذا البيت (لبيت آخر) فالقول قول الزوج، وعلى هذا فنلزمها بما قال؛ لأن الأصل عدم صحة ما تدعيه، هكذا قال الفقهاء، وهذه المسألة غير الأولى، الأولى اختلفا في القدر، فيكونان قد اتفقا على الأقل، وأما هنا فلم يتفقا على شيء، كل واحد منهما يقول قولًا غير قول الآخر، ومع ذلك يقولون: القول قول الزوج فيحلف، وليس لها سوى ما قال، ولكن ينبغي أن يقال: إنه يقبل قوله ما لم يدع شيئًا دون مهر المثل، فإنه لا ينبغي أن يقبل، يعني لو عينت شيئًا يمكن أن يكون مهر مثلها، وعيَّن هو شيئًا دون مهر مثلها فلا شك أن القول قولها.
فهذه المرأة مثلًا مهر مثلها خمسون ألفًا، وقالت: إنك أصدقتني هذا البيت وقيمته خمسون ألفًا أو قريبًا منها، وقال: بل أصدقتك هذا البيت وهو لا يساوي إلا عشرين ألفًا، فالأقرب للصواب قولها هي، فينبغي أن يقال: إن كلام المؤلف على إطلاقه فيه نظر، فينظر إلى ما هو أقرب إلى مهر المثل؛ لأن القرينة - إذا لم تكن بينة - حجة شرعية، فسليمان ﵊ لما تحكامت إليه المرأتان في الولد، قال: أشقه بينكما نصفين، فالكبرى قالت: نعم، والصغرى قالت: لا، فقضى به للصغرى بدون بينة (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء/ باب ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ﴾ (٣٤٢٧)؛ ومسلم في الأقضية/ باب اختلاف المجتهدين (١٧٢٠) عن أبي هريرة ﵁.
[ ١٢ / ٢٩٨ ]
قوله: «أو فيما يستقر به فقوله» تقدم لنا أن المهر يستقر بالوطء، والخلوة، والتقبيل، واللمس لشهوة، والنظر، يعني استباحة ما لا يحل إلا للزوج، والموت كما سيأتي.
فإذا قالت الزوجة: إنك خلوت بي، وقال الزوج: لم أخلُ، فالصداق ثابت، فالزوجة تقول: إنه خلا حتى تأخذ المهر كاملًا، وهو يقول: لم أخلُ حتى تأخذ النصف، فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل عدم الدخول والخلوة، فإن وجدت قرينة على الدخول كإقامة حفل الزواج، ثم ادعى أنه ما دخل، فالقول قول الزوجة بالقرينة، وهذا ذكره ابن رجب في القواعد، قال: إذا تعارض الأصل والظاهر فأيهما يقدم؟
قال: إن كان الظاهر حجة شرعية قدم الظاهر، وإن لم يكن حجة شرعية فينظر أيهما أقوى.
قوله: «وفي قبضِهِ فقولُها» أي اختلفا في قبض المهر بأن قال الزوج: قد أقبضتك المهر، وقالت الزوجة: لا، لم تقبضني شيئًا، فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم القبض، ويقال للزوج: إيت بشهود على أنك أقبضتها.
وهذا - أيضًا - ينظر فيه إلى القرائن، فعندنا - مثلًا - هنا في نَجْدٍ المهر مقدم، فلو أنها طالبته بعد الدخول، وقالت: أعطني المهر، فقال: قد سلَّمته لك قبل الدخول، فالقول قول الزوج؛ لأن هذا هو الظاهر، فالأصل ليس مقدمًا دائمًا، فلو أن امرأة عند زوجها في بيته، ويوم طلقها قالت: أريد منك النفقة، أنا لي معك عشر سنوات، وأنت لا تنفق علي، أنا كنت أنفق من مالي، أو
[ ١٢ / ٢٩٩ ]
أهلي ينفقون علي، فالأصل عدم النفقة، ولكن عندنا ظاهر أقوى من هذا الأصل، ولهذا شُدِّد الإنكار على من قال من أهل العلم: إنها إذا ادعت أنه لا ينفق أنه يلزم بالنفقة لما مضى، وقالوا: إن هذا القول لا يقبله العرف، ولا يقره الشرع، فهل من العادة أن المرأة تبقى مدة طويلة عند زوجها، ثم تأتي وتقول: إنك لم تنفق علي؟! فهذا بعيد.
ولهذا يجب أن يعرف طالب العلم أن الأصل ليس مقدمًا دائمًا، فقد يكون هناك ظاهر أقوى من الأصل فيقدم عليه، سواء فيما ذكره المؤلف هنا، أو ما سيذكره في باب الدعاوى.
[ ١٢ / ٣٠٠ ]