قوله: «وإن طلقها» أي: إن طلقها الزوج، سواء كانت مفوضة أو غير مفوضة.
قوله: «بعده» الضمير يرجع إلى الدخول، ولو قال المؤلف: بعدما يقرر المهر، من دخول، أو خلوة، أو لمس، أو نظر لفرجها لكان أشمل.
قوله: «فلا متعة» لها؛ اكتفاء بالمهر، ولا حاجة للمتعة، ومع ذلك تستحب المتعة للمطلقة ولو بعد الدخول؛ لأنه ثبت المهر بالدخول، واستحبت المتعة بالطلاق، إذ إن الطلاق - ولا سيما إذا كانت المرأة راغبة في زوجها - فيه كسر لقلبها، وضيق لصدرها، فكان من الحكمة أن تجبر بمتعة، فالمذهب أن المتعة لا تجب إلا لمن طلقت قبل الدخول، ولم يفرض لها مهر، وأما المطلقة بعد الدخول فلا متعة لها؛ لأن لها مهرًا، إما المسمى إن سُمِّي، وإما مهر المثل.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: تجب المتعة لكل مطلقة، حتى بعد الدخول، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ *﴾ [البقرة] والمطلقات عام، وأكد الاستحقاق بقوله: ﴿حَقًّا﴾ أي: أحقه حقًا، وأكَدَّه بمؤكد ثانٍ وهو قوله: ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، فدل هذا على أن القيام به من تقوى الله، وتقوى الله واجبة، وما قاله الشيخ ﵀ قوي
[ ١٢ / ٣٠٨ ]
جدًا فيما إذا طالت المدة، أما إذا طلقها في الحال فهنا نقول:
أولًا: أن تعلق المرأة بالرجل في المدة اليسيرة قليل جدًا.
ثانيًا: أن المهر حتى الآن لم يفارق يدها، فقد أُعطيته قريبًا.
أما إذا طالت المدة سنة، أو سنتين، أو أشهرًا، فهنا يتجه ما قاله شيخ الإسلام ﵀ فيكون هذا القول وسطًا بين قولين، الاستحباب مطلقًا، والوجوب مطلقًا، وهذا هو الراجح.
والخلاصة: أن المهر يستقر بما يلي:
أولًا: الموت.
ثانيًا: الدخول بها، أي: جماعها.
ثالثًا: أن يستحل منها ما لا يستحله إلا الزوج من التقبيل، واللمس، والنظر للفرج، وما أشبه ذلك.
رابعًا: الخلوة عن مميز ممن يطأ مثله بمثله، أي بامرأة يوطأ مثلها.
ويجب مهر المثل إذا كان المسمى فاسدًا، أو لم يسمَّ لها مهر.
وتجب المتعة إذا طلقها قبل ما يتقرر به المهر، ولم يسمَّ لها مهر، أو سمى لها مهرًا فاسدًا.
ويجب نصف المهر إذا طلقها قبل ما يتقرر به المهر، وسمى لها صداقًا.
ويسقط إذا كانت الفرقة من قبلها قبل أن يتقرر المهر.
[ ١٢ / ٣٠٩ ]
قوله: «وإذا افترقا في الفاسد قبل الدخول والخلوة فلا مهر» اعلم أن النكاح الفاسد غير الباطل، وهذا مما يختص به النكاح عند الحنابلة، فإنهم لا يفرقون بين الفاسد والباطل إلا في موضعين: أحدهما: هنا في باب النكاح، والثاني: في باب الحج، ففي باب الحج قالوا: إن الفاسد في الحج هو الذي جامع فيه قبل التحلل الأول، ويمضي فيه، والباطل هو الذي ارتد فيه، كحاج استهزأ بآيات الله فصار مرتدًا، وبطل حجه.
والفاسد في النكاح ما اختلف العلماء في فساده، والباطل ما أجمعوا على فساده، كنكاح الأخت، كرجل تزوج امرأة، ثم تبين أنها أخته من الرضاع فالنكاح باطل؛ لأن العلماء مجمعون على فساده، ومثال الفاسد النكاح بلا ولي، أو بلا شهود، أو نكاح امرأة رضعت من أمه مرة أو مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا.
وقوله: «وإذا افترقا في الفاسد» أي في النكاح الفاسد «قبل الدخول والخلوة» أي قبل تقرر المهر «فلا مهر».
مثال ذلك: رجل تزوج امرأة بدون ولي، ثم قيل له: إن هذا النكاح ليس بصحيح، فطلقها قبل الدخول والخلوة، فلا شيء لها؛ لأن العقد الفاسد وجوده كعدمه لا أثر له.
وهل يلزم بالطلاق؟ نعم يلزم مراعاةً للخلاف؛ لأن بعض العلماء يرى أن النكاح بلا ولي صحيح، فقد يأتي رجل ليتزوجها وهو يرى صحة النكاح بلا ولي، فيقول: هذه إلى الآن في ذمة الزوج الأول، ولذلك يجبر الزوج على الطلاق، فإن أبى فإن القاضي يطلق عليه أو يفسخ.
[ ١٢ / ٣١٠ ]
قوله: «وبعد أحدهما» أي: الدخول أو الخلوة.
قوله: «يجب المسمى» أي المعين، أما بعد الدخول فقد يقال: إن كلام المؤلف صحيح فيجب المسمى، وبعض العلماء يقول: إنه لا يجب المسمى وإنما يجب مهر المثل؛ لأن العقد فاسد، وما ترتب عليه فاسد، فهذه امرأة وطئت بشبهة فلها مهر المثل، والمذهب أنه يجب لها المسمى؛ لأنهما اتفقا على استحلال هذا الفرج بهذا العوض المسمى فيجب، ولكن بعد الخلوة لماذا يجب لها المسمى؟ قالوا في التعليل: إلحاقًا للعقد الفاسد بالصحيح، ولكن هذا القياس غير صحيح؛ لأن من شرط القياس تساوي الأصل والفرع، فكيف نلحق الفاسد بالصحيح؟! ولذلك اختار الموفق وجماعة من الأصحاب أنه لا يجب لها شيء بالخلوة؛ لأن هذا عقد فاسد، لا أثر له، وهو كما لو خلا بامرأة لم يعقد عليها، وهذا القول هو الصحيح أن الخلوة في العقد الفاسد لا توجب شيئًا؛ لأنه لا يمكن إلحاق الفاسد بالصحيح.
قوله: «ويجب مهر المثل لمن وطئت بشبهة» فإذا وطئت امرأة بشبهة، سواء شبهة عقد أو شبهة اعتقاد، فلها مهر المثل؛ لأن الزوج جامعها معتقدًا أن هذا الجماع حلال، فوجب مقتضاه وهو مهر المثل، وهذا في شبهة الاعتقاد واضح؛ لأنه ليس هناك عقد سمي فيه مهر، لكن في شبهة العقد إذا كان قد سمى لها مهرًا،
[ ١٢ / ٣١١ ]
وجامعها على هذا الأساس، فظاهر كلام المؤلف أن لها مهر المثل؛ وتعليل ذلك أنه لما بطل أصل العقد، بطلت توابع العقد، وهو المهر، فتبطل التسمية، ويجب مهر المثل.
مثال هذا: رجل تزوج امرأة بعقد، ومهر مسمى، ثم تبين أنها أخته من الرضاع، فالشبهة هنا شبهة عقد؛ لأنه تزوجها وجامعها على أنها زوجته، يقول المؤلف: إن لها مهر المثل، ولكن في هذا نظرًا؛ لأننا نقول: إنهما قد رضيا بهذا المسمى، وجامعها على أن هذا مهرها، وليس هناك ما يبطله.
فالصواب: أنه إذا كانت الشبهة شبهة عقد، وسمى لها صداقًا فلها صداقها المسمى، سواء كان مثل مهر المثل، أو أكثر، أو أقل.
أما الموطوءة بشبهة اعتقاد فيجب لها مهر المثل؛ لأنه ليس لها مهر مسمى؛ للإجماع، ولولا الإجماع لكان القياس يقتضي أن لا شيء لها؛ لأن هذا وطء بغير عقد، وهو معذور فيه، فكيف يجب عليه مهر المثل؟!
فإن كان أحد يقول: إنه لا شيء لها فهو أحق بالاتباع.