قوله: «وإن علق طلاقها بصفة ثم أبانها فوُجدت، ثم نكحها فوجدت بعده طَلَقَتْ».
مثال ذلك: أن يقول: إن كلمت فلانًا فأنت طالق، ثم بعد هذا الكلام طرأ بينهما سوء تفاهم فطلقها، وخرجت من العدة، وكلمت فلانًا بعد أن خرجت من العدة، ثم تزوجها ثانيًا، ثم بعد الزواج الثاني كلمت فلانًا تطلق؛ لأنه علق طلاقها في حال يملك التعليق، فوجدت الصفة المعلق عليها في حال يملك التطليق، فإذًا يقع الطلاق.
فإذا قال قائل: أليست الصفة وجدت في حال البينونة فانحلت اليمين بها؟ لأن اليمين والطلاق ينحلان بأول مرة وينتهيان.
نقول: نعم، هذا صحيح، لكن الصفة وجدت في حال لا يملك طلاقها، ولا يقع عليها طلاقه؛ لأنها ليست في عصمته، فوجودها قبل أن يتزوجها المرة الثانية كعدمه، وعلى هذا فتطلق في المرة الثانية.
[ ١٢ / ٤٩٣ ]
فلو أن الرجل قال لزوجته: إن كلمت زيدًا فأنت طالق فكلمته وهي في عصمته تطلق، فإذا راجعها ثم كلمته ما تطلق؛ لأن الطلاق المعلق انحل بأول مرة، فصار وقوعه في الثانية غير معلق عليه الطلاق.
فإذا قال قائل: ما الفرق بين هذه الصورة والصورة الأولى؟
فالجواب: أن الصورة الأولى وقعت الصفة وهي في غير عصمته، فلم يكن المحل قابلًا، فلا يقع الطلاق.
وقوله: «ثم أبانها» يشمل ما إذا كانت البينونة بالثلاث، أو بما دونه، فالبينونة بالثلاث تبين بمجرد أن يقول: أنت طالق ثلاثًا، والبينونة بغير الثلاث تكون إذا انتهت العدة، أو إذا كان الطلاق على عوض، وكلام المؤلف يشمل ما إذا كانت البينونة بالطلاق الثلاث، أو بغير الطلاق الثلاث، ما دام بانت منه ووجدت الصفة في حال البينونة، فإنه إذا تزوجها مرة ثانية فإنه تعود الصفة.
وقال جمهور أهل العلم: إنه إذا كانت البينونة بالطلاق الثلاث فإن الصفة لا تعود؛ لأن النكاح الأول انتهت أحكامه بالطلاق الثلاث؛ فإذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت بزوج آخر، ثم فارقها الزوج الثاني، ثم تزوجها الزوج الأول تعود على طلاق ثلاث.
فإذا وجدت الصفة في النكاح الجديد لم تطلق الزوجة، مثال ذلك: رجل قال لزوجته: إن كلمت زيدًا فأنت طالق ولم يبق له إلا طلقة واحدة فقط، فطلقها الطلقة الثالثة، وقبل انتهاء العدة
[ ١٢ / ٤٩٤ ]
كلمت زيدًا، ثم إنها تزوجت بزوج آخر، وفارقها، ثم تزوجها زوجها الأول، ثم كلمت زيدًا، فعلى رأي الجمهور لا تطلق، وعلى رأي المؤلف تطلق؛ لأن قوله: «ثم أبانها» عام، ولا شك أن رأي الجمهور أصح في هذه المسألة لقوة تعليله.
وهناك قول آخر: أنها لا تعود مطلقًا، ولو كانت البينونة بغير الطلاق الثلاث، قالوا: لأن ظاهر الحال أنه لما قال الرجل لزوجته: إن كلمت فلانًا فأنت طالق أن قصده في هذا النكاح، ولم يكن يطرأ على باله أنه حتى لو طلقها وتزوجها بعد، وهي - أيضًا - إذا بانت منه فقد انقطعت علائقها منه، فالتعليق إنما كان في نكاح سابق، والنكاح السابق بانت منه، وهذا نكاح جديد فلا تطلق؛ لأن الله - تعالى - إنما جعل الطلاق بعد النكاح، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] فلا طلاق قبل النكاح، وهذا قد علق الطلاق في نكاح سابق قبل النكاح الثاني.
فعندنا ثلاثة أقوال:
الأول: أن الصفة تعود مطلقًا وهو المذهب.
الثاني: أنها لا تعود مطلقًا.
الثالث: رأي الجمهور، أنها لا تعود إن بانت بالطلاق الثلاث، وتعود إن بانت بغير الثلاث.
وكل هذا فيما إذا وجدت الصفة في حال البينونة، لكن إذا لم توجد، بأن قال: إن كلمتِ زيدًا فأنت طالق، ثم طلقها وبانت منه، ثم تزوجها قبل أن تكلم زيدًا ثم كلمت زيدًا بعد التزويج،
[ ١٢ / ٤٩٥ ]
فعلى المذهب وغير المذهب تطلق؛ لأن يمينه لم تنحل، فالصفة لم توجد فتطلق بكل حال.
وعند شيخ الإسلام في هذه المسألة أنها لا تطلق؛ لأن الظاهر أنه أراد وقوع الصفة في النكاح الأول الذي علق عليه، وفي الحقيقة أنك إذا تدبرت الأمر، وجدت أن هذا القول أرجح من غيره؛ لأن الظاهر من هذا الزوج أنه لم يطرأ على باله أن هذا التعليق يشمل النكاح الجديد، اللهم إلا إذا كان علقها على صفة يريد ألا تتصف بها مطلقًا، فهذا قد يقال: إنها تعود الصفة.
قوله: «كعتقٍ» يعني كما لو علق الإنسان عتق عبده على شيء، ثم باع العبد فوجدت الصفة التي علق عتقه عليها، ثم اشتراه فوجدت بعد شرائه، مثاله: قال لعبده: إن فعلت كذا وكذا فأنت حر، ولم يفعله فباعه على زيد، ثم فعله في ملك زيد فإنه لا يعتق؛ لأنه ليس في ملكه، ثم اشتراه من زيد، وفعله بعد أن اشتراه، فإنه يعتق؛ لأنه وجد الفعل وهو في ملكه.
قوله: «وإلا فلا» يعني وإن لم توجد الصفة في النكاح الثاني، فإنها لا تطلق إذا وجدت حال البينونة؛ لأنها حال البينونة ليست زوجة، كما أن الشرط الذي عُلق عليه العتق إذا وجد بعد خروج ملكه عنه لا يحصل به العتق.
تم المجلد الثاني عشر
ـ بفضل الله وتوفيقه ويليه الثالث عشر - بعون الله تعالى ـ
وأوله: كتاب الطلاق
[ ١٢ / ٤٩٦ ]
الشرح الممتع
على
زاد المستقنع
لفضيلة الشيخ العلامة
محمد بن صالح العثيمين
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
المجلد الثالث عشر
دار ابن الجوزي
طبع بإشراف مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ
[ ١٣ / ٥٢٢٠ ]
﷽