قوله: «والمتنفل يفطر إن جبر» يعني أن الصائم المتنفل كصيام أيام البيض، أو الاثنين، أو الخميس، أو ستة أيام من شوال، أو عشر ذي الحجة، أو عاشوراء وما أشبهها، فالمتنفل يجيب الدعوة، ولكن هل يفطر أو لا؟ المؤلف ذكر أن فيه تفصيلًا، إن جبر قلب الداعي، وأدخل السرور عليه فإنه يفطر، وإن لم يجبر كأن يكون الداعي لا يهتم أكل أو ما أكل، المهم أن يجيب الدعوة، فإن الأفضل أن لا يفطر ويتم صومه؛ لأن صومه نفل، ولا ينبغي أن يقطع نفله إلا لغرض صحيح.
قوله: «ولا يجب الأكل» أي: أكل المدعو ليس بواجب، وإنما الواجب الحضور فقط لقوله ﷺ: «إذا دعي أحدكم فليُجب فإن شاء أكل وإن شاء ترك» (^١)، فهذا الحديث يدل على أنه لا يجب الأكل، والحديث السابق يدل على وجوب الأكل لقوله: «فليطعم» فكيف الجمع بين الحديثين؟
الجمع بينهما أن يقال: إن الخيار إذا لم يترتب على ترك الأكل مفسدة، فإن ترتب عليه مفسدة فلا شك في وجوب الأكل، كرجل صنع وليمة شاة، أو شاتين، أو أكثر، وجهزها وأذن لهم في الأكل، فقالوا: لا يجب علينا الأكل وما نحن بآكلين!! فهذا فيه نظر، لقول النبي ﷺ لرجل معتزل عن القوم ناحيةً، وقال: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ: «دعاكم أخوكم وتكلف لكم، كُلْ، ثم صُمْ يومًا مكانه
_________________
(١) أخرجه مسلم في النكاح/ باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة (١٤٣٠) عن جابر ﵁.
[ ١٢ / ٣٣٧ ]
إن شئت» (^١)، والصحيح أن الأكل واجب إلا على من صومه واجب كما سبق، أو من يتضرر بالأكل؛ لأن بعض الناس قد يكون مريضًا بمرض يحتاج إلى حِمْية فلا يستطيع أن يأكل.
وقول الرسول ﷺ: «إن شاء أكل وإن شاء ترك» يحمل على الصائم، أو على إذا لم يكن في ذلك مضرة، وإلا فلا شك عند كل الناس أن هذا مما يستقبح عادة، أن يدعو الناس ويحضروا، ثم يقولوا: الأكل غير واجب!! ومن عادة العرب أن الإنسان إذا لم يأكل فإنه يخشى منه، وإلى الآن هذا الأمر موجود، ولذلك يلزمون الواحد بالأكل ولو يسيرًا، ويسمونها المِلحة؛ يعني أنك تمالح وتأكل، ومعنى ذلك أننا أَمِنَّاك.
ولنا أن نقول: إن الأكل فرض كفاية لا فرض عين، فإذا قام به من يكفي، ويجبر قلب الداعي، فالباقي لا يجب عليهم الأكل، وهو الصواب، أما أن نقول: لا يجب الأكل على الآخرين، فهذا فيه نظر.
قوله: «وإباحته متوقفة على صريح إذن» أي: إباحة الأكل متوقفة على صريح إذن، وهذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، يعني على إذن صريح، بأن يقول: تفضل كل، فإذا قال ذلك، أبيح الأكل.
قوله: «أو قرينة» أي: إذا دلت القرينة والعرف والعادة على أنه إن قدم الطعام بهذه الصفة فإنه إذن في الأكل، فلك أن تأكل.
_________________
(١) أخرجه البيهقي (٤/ ٢٧٩) وحسنه الحافظ في الفتح (٤/ ٢٤٧) ط/ دار الريان، وانظر: خلاصة البدر المنير (٢٠٢٨)؛ والإرواء (١٩٥٢).
[ ١٢ / ٣٣٨ ]
وعادة الناس اليوم على أنه يحتاج إلى ألفاظ صريحة، فلو تقدمت للمائدة ولم تكتمل، عُدَّ ذلك جشعًا، كما قال الشاعر:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن
بأعجلهم إذ أجشعُ القومِ أعجلُ
فما دام الداعي لم يقل: تفضلوا، فلننتظر، أما إذا جاء بإناء الطعام وقدمه بين يديك، فهذا إذن، لا يحتاج إلى لفظ صريح، والحاصل أن هذه الأمور تكون بالألفاظ الصريحة، والقرائن الواضحة الدالة عليها.
وقوله: «وإباحته» فلو أن أحدًا أخذ شيئًا من الطعام قبل الإذن، أو القرينة كان ذلك حرامًا، والناس لا يرون هذا حرامًا، وإنما يرونه سوء أدب بتقدمه قبل الإذن، ولكن ظاهر كلام المؤلف أن الإباحة لا تكون إلا بصريح الإذن، أو القرينة.
ومن هنا نأخذ مسألة مهمة أنه إذا دعاك إنسان وجئت إلى البيت، ووجدت الباب مفتوحًا في الوقت الذي دعاك فيه، فهل يحتاج إلى إذن، أو أن فتح الباب يعتبر إذنًا؟
هذا - أيضًا - عند الناس إذن عرفي، فلو جئت بعد العشاء الآخرة ووجدت الباب مفتوحًا فهو إذن.
ولكن لا شك أن الأفضل أن يستأذن؛ لأنه قد تكون إحدى النساء في فناء البيت ونحوه، أما إذا صرح، وقال: إذا وجدتم الباب مفتوحًا فادخلوا، أو وجد المفتاح على الباب كما كان في الزمن السابق، يتركون المفاتيح على الأبواب، فهذا إذن صريح.
قوله: «وإن علم أن ثم منكرًا يقدر على تغييره حضر وغيّره» «إن علم» الضمير يعود على المدعو، «ثَمَّ» ظرف مكان يشار
[ ١٢ / ٣٣٩ ]
بها للبعيد، مبني على الفتح في محل نصب، متعلق بمحذوف، خبر مقدم، «منكرًا» اسم «أنَّ» مؤخر، والمنكر كل ما حرم الشرع، فإذا علم - مثلًا - أن في هذه الوليمة اختلاطًا للرجال بالنساء، أو آلات لهو، أو تصويرًا، وما أشبه ذلك من الأشياء المحرمة، فهذا إن كان يقدر على تغييره أو تقليله يحضر؛ لأنه يجب على الإنسان أن ينكر المنكر إذا علم أنه إذا أنكر قل، فيحضر وجوبًا لسببين:
الأول: أنه دعوة وليمة عرس.
الثاني: أن فيها إزالة لمنكر، أو تقليلًا له، وإزالة المنكر أو تقليله واجب.
مثل أن يكون رجل له هيبة وقيمة، بحيث إذا علم بالمنكر وأمر بإزالته أطاعوه، فهذا يجب عليه الحضور.
قوله: «وإلا أبى»، أي: وإلا يقدر على تغييره امتنع من الحضور، وهل يذكر السبب أو لا؟ الأولى أن يبين السبب لأمور:
الأول: بيان عذره.
الثاني: ردع هؤلاء.
الثالث: ربما أن هؤلاء يجهلون أن هذا الأمر محرم، فإذا قال: لا أحضر؛ لأن عندكم كذا وكذا، وبين لهم أن هذا محرم، فيكفون عنه.
وتبيين الأسباب في الأمور التي تستنكر مما جاء به الشرع، قال - النبي ﷺ: «إذا رأيتم من يبتاع في المسجد فقولوا: لا
[ ١٢ / ٣٤٠ ]
أربح الله تجارتك، فإن المساجد لم تُبنَ لهذا» (^١) لأجل أن يعذر.
وقوله: «وإلا أبى» وجوبًا أو جوازًا؟ وجوبًا ما دام يعرف أن ثم منكرًا، ولا يقدر على تغييره، فيحرم عليه الحضور، فإذا قال: أنا أحضر وأكره بقلبي، ولا أشاركهم.
نقول: هذا ليس بصحيح؛ لأنك لو كرهت بقلبك لما بقيت، فكل ما يكرهه الإنسان بقلبه لا يمكن أن يبقى فيه إلا مكرهًا، وقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠].
فلو قال قائل: إذا لم أحضر ترتب على هذا قطيعة رحم، كما لو كان صاحب الوليمة من أقاربه، وعندهم منكر ودعاهم، فإذا لم يُجب غضب عليه، وتقطعت الصلة بينهما.
فالجواب: ولو أدى ذلك إلى قطيعة الرحم؛ لأن الله - تعالى - قال في الوالدين، وهما أقرب الأرحام: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥].
ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس فلا يحل، وربما يكون امتناعه عن الحضور لوليمة
_________________
(١) أخرجه الترمذي في البيوع، باب النهي عن البيع في المسجد (١٣٢١)؛ والدارمي في الصلاة باب النهي عن استنشاد الضالة في المسجد والشرى والبيع (١/ ٣٤٧) (ط/البغا) عن أبي هريرة ﵁، وصححه ابن خزيمة (١٣٠٥)؛ والحاكم (٢/ ٥٦) على شرط مسلم؛ وأقره الذهبي.
[ ١٢ / ٣٤١ ]
قريبه المشتملة على المحرم، سببًا لهدايته، فيعتب على نفسه، ويوبخ نفسه، ويقول: إنه بفعله هذه المعصية اكتسب هجران قريبه، فيرتدع، وكثيرًا ما يقع مثل ذلك، إذا هجر الإنسان قريبه أو صاحبه سابقًا فإنه يراجع نفسه، ويتأمل، وربما يرجع عما كان عليه من المعصية.
المهم أنه لا يجوز الحضور، ولو أدى ذلك إلى قطيعة الرحم، والقاطع هو الداعي إذا قطعت الرحم.