قوله: «وإن قال: أنت علي حرام» هذه الكلمة أهم ما في الباب، فإذا قال: أنت علي حرام يخاطب زوجته، فهذا لا يخلو من ثلاث حالات، إما أن ينوي الطلاق، أو الظهار، أو اليمين.
وعلى القول الراجح إذا قال لزوجته: أنت علي حرام، ونوى به الخبر دون الإنشاء، فإننا نقول له: كذبت، وليس بشيء؛ لأنها حلال، كما لو قال: هذا الخبز عليَّ حرام، يريد الخبر لا الإنشاء، فنقول: كذبت، هذا حلال، لك أن تأكله.
وإذا نوى الإنشاء، أي: تحريمها، فهذا إن نوى به الطلاق فهو طلاق؛ لأنه قابِلٌ لأن يكون طلاقًا، وإن نوى به الظهار فهو ظهار، وإن نوى به اليمين فهو يمين، والفرق بين هذه الأمور الثلاثة، أنه إذا نوى به اليمين فهو ما نوى التحريم، لكن نوى الامتناع، إما معلقًا وإما منجزًا، مثل أن يقول: إن فعلت كذا فأنت علي حرام، فهذا معلق، لا يقصد أن يحرم زوجته، بل قصده أن تمتنع زوجته من ذلك، وكذلك أنت علي حرام قصده أن يمتنع من زوجته، فنقول: هذا يمين لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١، ٢]، فقوله: ﴿مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ «ما» اسم موصول يفيد العموم فهو شامل للزوجة، وللأمة، وللطعام، والشراب، واللباس، فحكم هذا حكم اليمين، قال ابن عباس ﵄: «إذا قال لزوجته: أنت علي حرام فهي
[ ١٣ / ٧٩ ]
يمين يكفرها» (^١)، وهذه هي الحال الأولى.
الحال الثانية: أن ينوي به الطلاق، فينوي بقوله: أنت علي حرام أن يفارقها، فهذا طلاق لأنه صالح للفراق، وقد قال النبي ﵊: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (^٢).
الحال الثالثة: أن يريد به الظهار، أي: أنها محرمة عليه فهذا موضع خلاف بين العلماء:
قال بعض العلماء: إنه يكون ظهارًا؛ لأن معنى قول المظاهر لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أنت حرام، لكنه شبَّهه بأعلى درجات التحريم، وهو ظهر أمه؛ لأن أشد ما يكون حرامًا عليه أمه.
وقال بعض العلماء: لا يكون ظهارًا؛ لأن قولك: أنت علي كظهر أمي ليس مثل قولك: أنت علي حرام، فالأول أبشع وأقبح، فيختص الحكم به ولا يقاس عليه ما دونه، لكن الذي يظهر - والله أعلم - أنهما سواء، يعني وطأَك علي حرام، كما تحرم علي أمي، فيكون ظهارًا.
قوله: «أو كظهر أمي فهو ظهار ولو نوى به الطلاق» لأن هذا هو ما جاء به القرآن، ولو قلنا: إن الرجل إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي ونوى به الطلاق إنه طلاق، لَكُنَّا حكمنا في
_________________
(١) أخرجه مسلم في الطلاق/ باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينوِ الطلاق (١٤٧٣) (١٩).
(٢) سبق تخريجه ص (١٧).
[ ١٣ / ٨٠ ]
الظهار بحكم الجاهلية؛ لأنهم في الجاهلية يرون أن قول الإنسان لزوجته: أنت علي كظهر أمي طلاق، ولكن الشرع خالفهم في هذا وجعله ظهارًا، فالإنسان إذا أتى بصريح الظهار فهو ظهار، ولو نوى به الطلاق، فنقول: الزوجة باقية في ذمتك، ولا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به من الكفارة، وهل نقول: ما لم يجرِه مجرى اليمين، بأن قال: إن فعلت كذا فزوجتي علي كظهر أمي؟ فالجواب: نعم، على القول الراجح أنه قد يُجرى مَجرى اليمين، أي: منع نفسه، ولم يرد أن يحرم زوجته ويجعلها كظهر أمه لقول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (^١).
لكن قوله: «أنتِ علي حرام»، لا تساوي «أنت علي كظهر أمي»، لأن عندنا نصًا في القرآن، يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، فجعل الله التحريم يمينًا، وإخراج الزوجة من هذا العموم يحتاج إلى دليل، ولا دليل.
إذن على المذهب يجعلون قول الإنسان: أنت عليَّ حرام كقوله: أنت عليَّ كظهر أمي، فيجعلونه ظهارًا في كل حال، ولو نوى به الطلاق، فإذا جاء رجل يستفتينا يقول: إني قلت لزوجتي: أنت عليَّ حرام، فعلى المذهب ما نقول: ماذا نويت؟ بل نقول: أنت مظاهر، فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به، أما على القول الصحيح فإننا نقول: ماذا نويت؟
قوله: «وكذلك ما أحل الله عليَّ حرام» «ما» مبتدأ، وخبره
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٧).
[ ١٣ / ٨١ ]
«حرام» و«ما» عام لكل ما أحل الله، فيدخل فيه الزوجة وإن لم يواجهها به صريحًا، فهذا ليس كالأول، فإن اقترن به شيء يدل على ما نوى عملنا به، وإلا فنجعله ظهارًا؛ لأن المؤلف يقول: «وكذلك» و«الكاف» للتشبيه و«ذا» اسم إشارة يعود على ما سبق من قوله: «أنت علي حرام» يعني وكذلك إذا قال: «ما أحل الله علي حرام» فهو ظهار.
وأما بالنسبة للطعام والشراب واللباس فهو يمين، فتبعَّضَ الحكمُ، وصارت هذه الكلمة لشيء يمينًا، ولشيء ظهارًا، والذي نرجحه أنه يمين.