قوله: «وتملك المرأة صداقها بالعقد»، من المعلوم أن المرأة إذا أصدقت شيئًا، فإما أن يكون معينًا، أو يكون غير معين، فالمعين مثل أن يقول: زوجتك ابنتي على هذه السيارة، أو هذه الدراهم، أو هذا البيت، أو الثوب، وغير المعين أن يقول: زوجتك ابنتي على عشرة آلاف ريال، يقول المؤلف: تملك صداقها بالعقد، سواء كان معينًا أو غير معين، فإذا كان معينًا فالأمر ظاهر، وإذا كان غير معين فما الفائدة؟ الفائدة أنه يكون لها في ذمة الزوج دينًا.
وقوله: «بالعقد» فإذا قال: زوجني ابنتك بهذا البيت، وتأخر العقد عشرة أيام، فالبيت قبل العقد ليس لها، وإنما يكون للزوج.
قوله: «ولها نماء المعين قبل القبض»، فالشيء المعين لها نماؤه بمجرد العقد، وإن لم تقبضه، فهذا البيت مثلًا عيَّنه، وعقد له عليها به، وتأخر الدخول لمدة سنة، فحصل في هذه السنة من أجرة البيت عشرة آلاف ريال، فهذه الأجرة تكون للزوجة.
كذلك لو كان المهر حيوانًا كشاة مثلًا، وولدت قبل الدخول، فالأولاد للزوجة.
فإذا قال قائل: أليس من الممكن أن يطلقها الزوج؟
فالجواب: بلى، وإذا طلقها لم يكن لها إلا نصفه، ويرجع عليها بنصف المهر.
[ ١٢ / ٢٨٦ ]
لكن هل يرجع عليها بنصف الأجرة التي أخذتها قبل الطلاق؟
الجواب: لا يرجع؛ لأنها ملكت الصداق، والأجرة نماء منفصل ملكتها بقبضها.
ولو أصدقها بقرة وعيَّنها، ثم إن المرأة جعلت تحلبها وتبيع الحليب، ثم طلقها قبل الدخول، فالذي يرجع عليه نصف البقرة، ولها اللبن الذي كانت تبيعه؛ لأنه نماء منفصل من عين تملكها كلها.
وقوله: «قبل القبض» فبعد القبض من باب أولى، فالمفهوم هنا مفهوم أولوي، ومعلوم أن المفهوم ثلاثة أقسام: مفهوم موافقة مساوٍ، ومفهوم موافقة أولوي، ومفهوم مخالفة.
فمثلًا: أكل مال اليتيم محرم، وإحراقه أولى؛ لأن الأكل فيه نوع انتفاع، أما هذا ففيه إتلاف وإضاعة مال، فلا انتفع به اليتيم، ولا الذي أحرقه.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، لو قال شخص: ما أثقلكما عليّ وما أشدكما علي، وأنا متضجر منكما غاية التضجر وضربهما، فهذا حرام، وهو مفهوم موافقة أولوي.
وقد زعموا أن الظاهرية لا يرون تحريم ضرب الوالدين، قالوا: لأن الله يقول: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ وهذا الذي ضربهما وما تكلم؛ فلا شيء عليه؛ لأنه ما قال: أفٍ!!
ولكن هذا غير صحيح؛ لأنهم وإن كانوا لا يحرمونه من
[ ١٢ / ٢٨٧ ]
جهة الخطاب، إلا أنهم يحرمونه من جهة أخرى وهي العقوق، وهذا من أعظم العقوق، وأما أن يشوَّه هؤلاء بأنهم يبيحون للإنسان أن يضرب والديه، فهذا القول غير صحيح ولا يجوز؛ لأنه تهمة لهم، وبعض الناس يأتي بمثل هذا على سبيل التندر والتنفير عن قولهم، وهذا لا يجوز؛ لأنهم علماء وبعضهم يريد الحق، ولكن ما كل من أراد الحق وفق له.
ومثال مفهوم المخالفة قول - النبي ﷺ: «في كل سائمة إبل» (^١)، فمفهوم قوله: «سائمة» أن غير السائمة ليس فيها شيء.
قوله: «وضده بضده» يعني أن غير المعين ليس لها نماؤه، وغير المعين يشمل أمرين: ما كان دَينًا في الذمة، وما كان مبهمًا في أشياء، فالمبهم في أشياء، مثل شاة من قطيع، أو بعير من إبل، أو قفيز من صبرة طعام، والدين في الذمة مثل عشرة آلاف ريال وله مائة ألف، فلو كسب قبل أن يقبضها العشرة، فليس لها شيء من الكسب والربح، وليس عليها زكاته.