قوله: «وعكسه الآثم» يعني يقع طلاقه، فمن زال عقله غير معذور فإنه يقع طلاقه؛ لأنه لا عذر له، مثاله السكران باختياره، كإنسان - والعياذ بالله - شرب وسكر، فإنه يقع طلاقه؛ لأنه ليس بمعذور، فالسكر محرم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إن السكران غير المعذور يقع طلاقه، وهذا هو المذهب؛ وعللوا ذلك بأنه ليس بمعذور فيه، فيكون كالصاحي، وبأن هذا أنكى له وأزيد في عقوبته، وربما لا يردعه عن شرب الخمر إلا الخوف من هذا الأمر، فيكون في ذلك مصلحة الردع.
وقال بعض أهل العلم: إن السكران لا يقع طلاقه؛ لأنه إذا أثم عوقب على إثمه، لكن إذا تكلم بدون عقل، فكيف نلزمه بمقتضى كلامه وهو لا يعقله؟! فهذا يخالف قول الرسول ﵊: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (^١)، فإن هذا السكران حينما تكلم وقال: أنت طالق، ما نوى، فهذا لا يقع طلاقه، وكونه آثمًا له عقوبة خاصة وهي التعزير بالجلد، أما التعزير باعتبار كلامه مع عدم عقله، فهذا زيادة، ولا يجوز أن نزيد على العقوبة التي جاءت بها السنة، وهذا هو الذي صح به الأثر عن عثمان ﵁ (^٢)، وكان
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٧).
(٢) علقه البخاري في الطلاق/ باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران …، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١/ ٣١١)، وابن أبي شيبة (٤/ ٧٥)، والبيهقي (٧/ ٣٥٩) ووصله عنه الحافظ في التغليق (٤/ ٤٥٣).
[ ١٣ / ١٨ ]
عمر بن عبد العزيز ﵀ يقضي على السكران بالتأديب والإلزام بالطلاق إذا طلق، فلما ذكر له الأثر عن عثمان ﵁ رجع فصار يؤدبه ولا يقضي بطلاقه (^١)، وهذا القول أصح، وهو الذي رجع إليه الإمام أحمد ﵀، وكان الإمام أحمد ﵀ يقول بطلاق السكران حتى تبينه - يعني تأمله - وتبين له أنه لا يقع، وقال: إني إذا قلت: يقع، أتيت خصلتين، حرمتها عليه وأحللتها لغيره، وإذا قلت: لا يقع فإنما أتيت خصلة واحدة وهي أنني أحللتها له، فعلى هذا يكون مذهب الإمام أحمد شخصيًا أنه لا يقع، أما مذهبه الاصطلاحي فإنه يقع، لكن لا شك أن هذا أصح دليلًا وأظهر، كما قاله صاحب الإنصاف.
لكن هل يجوز للإنسان أن يلزم به السكران لعله يرتدع؟!
نقول: إذا لم يتضمن ضررًا على الزوجة؛ لأنه أحيانًا يكون ضرر على الزوجة، فقد تكون الزوجة ذات أولاد منه، فيقع الإشكال في المستقبل، ثم إننا لا نأمن - أيضًا - ولا نجزم أن يكون في ذلك إصلاح له، فربما أنه رجل لا يهتم، فلا يهمه أن تبقى زوجته أو لا تبقى، فالظاهر لي أنه لا ينبغي الإفتاء بوقوع الطلاق ما دام أن الأصح من حيث النظر عدم الوقوع، اللهم إلا فيما لو كانت الزوجة هي التي تطلب الفراق، وكان بقاؤها معه متعبًا لها، فلو أننا أخذنا بهذا القول من باب التأديب وردع الناس
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٧٧)، والبيهقي (٧/ ٣٥٩) وصححه في الإرواء (٧/ ١١٢).
[ ١٣ / ١٩ ]
فإنه لا بأس به، كما كان ذلك من سياسة عمر ﵁، فعمر إذا لم يرتدع الناس عن الشيء ألزمهم بمقتضاه، مثل ما ألزمهم بالطلاق الثلاث، فكان الطلاق الثلاث واحدة، لكن لما تهاونوا في هذا الأمر وصاروا يطلقون ثلاثًا قال: فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم (^١).