قوله: «وعليه أن يساوي بين زوجاته في القسم».
«وعليه» الضمير يعود على الزوج، فعليه أن يساوي بين زوجاته في القسم، سواء كن اثنتين، أم ثلاثًا، أم أربعًا، ودليل ذلك من القرآن، والسنة، والنظر، أما القرآن فقال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وليس من المعروف أن يقسم لهذه ليلتين، ولتلك ليلة واحدة، فالجور في هذا ظاهر، وأما من السنة فقول النبي ﵊: «من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» (^١)، والعياذ بالله، وهذا دليل على تحريم الميل إلى إحداهما، وأما من النظر، فكل منهما زوجة وقد تساوتا في الحق على هذا الرجل، فوجب أن تتساويا في القسم، كالأولاد يجب العدل بينهم في العطية.
وقوله: «بين زوجاته في القسم» ظاهر كلامه سواءٌ كن حرَّات أم إماء؛ لأنه لم يستثنِ، لكن قال بعض العلماء - وهو المذهب ـ: إن للحرة مع الأمة ليلتين وللأمة ليلة؛ لأنها على النصف، وفي هذا نظر، والصواب أنه يجب العدل في القسم حتى بين الحرة والأمة.
قوله: «لا في الوطء» فلا يجب أن يساوي بينهن في الوطء؛
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٤٧)؛ وأبو داود في النكاح/ باب في القسم بين النساء (٢١٣٣)؛ والترمذي في النكاح/ باب ما جاء في التسوية بين الضرائر (١١٤١)؛ والنسائي في النكاح/ باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض (٧/ ٦٣)؛ وابن ماجه في النكاح/ باب القسمة بين النساء (١٩٦٩) عن أبي هريرة ﵁، قال الحافظ في البلوغ (٩٧٨): «سنده صحيح».
[ ١٢ / ٤٢٧ ]
لأن الوطء له دوافع من أعظمها المحبة، والمحبة أمرٌ لا يملكه المرء، فقد يكون إذا أتى إلى هذه الزوجة أحب أن يتصل بها، وتلك لا يحب أن يتصل بها، فلا يلزمه أن يساوي بينهن في الوطء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]، ولأن النبي ﷺ كان يقسم بين زوجاته ويعدل ويقول: «هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك» (^١) وهذا حق؛ لأنه إذا كان لا يرغب إحداهما، فإنه لا يملك أن يجامعها إلا بمشقة، ثم إن تكلف الإنسان للجماع يلحقه الضرر.
وقال بعض العلماء: بل يجب عليه أن يساوي بينهن في الوطء إذا قدر، وهذا هو الصحيح والعلة تقتضيه؛ لأننا ما دمنا عللنا بأنه لا يجب العدل في الوطء بأن ذلك أمرٌ لا يمكنه العدل فيه، فإذا أمكنه زالت العلة، وبقي الحكم على العدل، وعلى هذا فلو قال إنسان: إنه رجل ليس قوي الشهوة إذا جامع واحدةً في ليلة لا يستطيع أن يجامع الليلة الثانية - مثلًا - أو يشق عليه ذلك، وقال سأجمع قوتي لهذه دون تلك، فهذا لا يجوز؛ وذلك لأن الإيثار هنا ظاهر، فهو يستطيع أن يعدل، فالمهم أن ما لا يمكنه
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ١٤٤)؛ وأبو داود في النكاح/ باب القسم بين النساء (٢١٣٤)؛ والترمذي في النكاح/ باب ما جاء في التسوية بين الضرائر (١١٤٠)؛ والنسائي في النكاح/ باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض (٧/ ٦٣، ٦٤)؛ وابن ماجه في النكاح/ باب القسمة بين النساء (١٩٧١) عن عائشة ﵂، وصححه ابن حبان (٤٢٠٥)؛ والحاكم (٢/ ١٨٧) وانظر: التلخيص (١٤٦٦)؛ والإرواء (٢٠١٨).
[ ١٢ / ٤٢٨ ]
القسم فيه فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وما يمكنه فإنه يجب عليه أن يقسم.
مسألة: هل يجب أن يعدل بين زوجاته في الهبة والعطية؟ يقول الفقهاء ﵏: أما في النفقة الواجبة فواجب، وما عدا ذلك فليس بواجب؛ لأن الواجب هو الإنفاق، وقد قام به، وما عدا ذلك فإنه لا حرج عليه فيه، لكن هذا القول ضعيف.
والصواب أنه يجب أن يعدل بين زوجاته في كل شيء يقدر عليه، لقوله ﷺ: «من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» (^١).